يعمل ممزقًا حياته في سبحات النور تمزيقًا يجتمع منه أدبه؛ وما أدبه إلا صورة حياته؛ وهو كلما أبدع شيئا طلب الذي هو أبدع منه؛ فلا يزال متألمًا إن عمل لأن طبيعته لا تقف عند غاية من عمله، ومتألمًا إن لم يعمل؛ لأن تلك الطبيعة بعينها لا تهدأ إلا في عمل، وهي طبيعة متمردة بذلك الجمال الأقدس تمرد العشق في حامله؛ إذ هما صورتان لأمر واحد كما سنشير إليه؛ فكل ما تجده في نفس العاشق المتدلة مما يترامى به إلى جنونه وهلاكه، تجد شبهًا منه في نفس العبقري؛ فكلاهما قانونه من طبيعة وحدها؛ إذ قد اتخذت حياته شكلها الفني من ذوقه هو وحده؛ فليس يتبع طريقة أحد، بل هو في طريقة نفسه1، وكلاهما مسترسل أبدًا إلى جمال مستفيض على روحه يتقلب فيها باللذة والألم يرجع إليه ويستمد منه، وكلاهما لا يجد المعنى الجميل في الطبيعة معنى، بل رسولًا من الجمال أرسل إليه وحده، ولا يزال يشعر في كل وقت أن له رسائل ورسلًا هو بعد في انتظارها، وكلاهما متى ظفر بشيء من مصدر الجمال انتهى من شدة فرحه إلى الظن أنه ربح من الكون ربحًا لم يكن له من قبل، وكلاهما متهالك بين قيود الحياة التي في الحياة والواقع، وبين حريتها التي في خياله وأمله، كأن عليه في سبيل هذه الحرية أن يقطع الليل والنهار لا قيدًا من قيود الاجتماع أو العيش؛ وكلاهما متصل بقوة غيبية وراء ما يرى وما يحس تجعل نظرته في الأشياء خاضعة لقانون النظرة العاشقة في العينين الساحرتين المعشوقتين، فإذا مد عينيه في شيء جميل فهناك سؤال وجوابه، ووحي وترجمته، ومرور من يقظة إلى حلم، وانتقال من حقيقة إلى خيال!
1 لا وجه عندنا لما استعمله بعض الكتاب في الأدب من قولهم مدرسة امرئ القيس، ومدرسة النابغة ونحو ذلك، ترجمة حرفية لقول الأوروبيين مدرسة فلان ومدرسة فلان؛ فإن الأدب إن كان تقليدًا فهو أدب منحطٌّ لا يجعل مدرسة يحتذى عليها ويتخرج بها، وإن كان إبداعًا فليس الإبداع مدرسة تكون بالتعليم والتلقين ويتخرج بها الواحد