كله هم شروح وتفاسير حول كلمات الله، وكلهم يشعر بالوجود فنًّا كاملًا ويشعر بنفسه شرحًا لأشياء من هذا الفن، ويرى معاني الطبيعة كأنما تأتيه تلتمس في كتابته وشعره حياة أكبر وأوسع مما هي فيه من حقائقها المحدودة، وتتعرض له أحزان الإنسانية تسأله أن يصحح الرأي فيها باستخراج معناها الخيالي الجميل، فإنها وإن كانت آلامًا وأحزانًا إلا أن معناها الخيالي هو سرور تحمله للناس؛ إذ كان من طبيعة النفس البشرية أن تسكن إلى وصف آلامها وفلسفة حكمتها حين تبدو بصائرها حاملة أثرها الإلهي، كأن المؤلم ليس هو الألم، وإنما هو جهل سره.
وبالجملة فالكون يختار في كل شيء مفسره العبقري ليكشف من غموضه ويزيد فيه أيضًا... ثم ليؤتى الناس المثل الأعلى من المعنى على يد المثل الأعلى من الفكر؛ ولهذا تصيب الكلام الذي يكتبه النابغة الملهم في أوقات التجلي عليه كأنه كلام صور نفسه وصاغها، أو كأنه قطعة من الحس قد جمدت في أسطر؛ ولا بد أن تشعرك الجملة أنها قذفت وحيا؛ إذ لا تجدها إلا وكأن في كلماتها روحًا يرتعض؛ ولقد يخطر لي وأنا أقرأ بعض المعاني الجميلة لذهن من الأذهان الملهمة كشكسبير والمتنبي وغيرهما -حين أتأمل اختراع المعنى وإبداع سياقه وضحى البيان عليه وإشراقه فيه وما أتيح له من جلال ظاهر في شكل حي يلمح بسره في النفس- يخيل إلي من ذلك أن سر الطبيعة القادر يعمل عمله أحيانًا بذهن إنساني ليخلق تعبيرًا عن جلاله في مثل جلاله.
وأنت فلو أخذت معنى من هذه المعاني الآتية من الإلهام وأجريته في كتابة كاتب أو شعر شاعر من الدين ليس لهم إلا أذهانهم يكدونها، وكتبهم يجعلونها أذهانهم أحيانًا... لرأيت الفرق بين شيء وشيء في أحسن ما أنت واجده لهم على نحو ما ترى بين زهرة حريرية جاءت من عمل الإنسان بالإبرة والخيط، وزهرة أخرى قد انبثقت عطرة ناضرة في غصنها الأخضر من عمل الحياة بالسماء والأرض.
والعبقري هو أبدًا وراء ما لا ينتهي من جمال، أوله في نفسه وآخره في الجمال الأقدس الذي مسح على هذه النفس الجميلة السامية؛ فما دام فيه سر العبقرية فهو دائب