فهرس الكتاب

الصفحة 691 من 1123

قال"النابغة": فإذا دخل الذئب مسجدًا يرتج بالمصلين، أتراه يصف أربعته ويقف بينهم للصلاة، أم يصلي صلاته الذئبية في لحومهم؟

قلت: وأين هم الذين يصلون بحقيقة الصلاة، فيخرجون بها من النفس إلى الكون، ومن الزمن إلى الأبد، ومن الأسباب إلى مسببها، ومما في القلب إلى ما فوق القلب؟ إن هؤلاء جميعا يصلون بجوارحهم وبينهم وبين أرواحهم طول الدنيا وعرضها؛ وما منهم إلا من يتصل فكره بما يغلب عليه، كما يتصل فكر اللص بيده، وفكر العاشق بعينه، وفكر الطفيلي بمعدته. فاسمها عندهم الصلاة، وحقيقتها عند الله كما ترى.

قال"النابغة": ولكنه ذئب من طبيعته أن يأكل الشاة لا أن يرعاها، فلا أفهم شيئا.

وقال الآخر:"مما حفظناه"رتع الذئب في الغنم، ولم يقولوا صلى الذئب في الغنم، فلا أفهم شيئا.

قلت: سأزيدكما عدم فهم... إن قلب تلك المرأة العظيمة الطاهرة متصل بالله، وليس فيه شيء من طباعها الإنسانية ولا ظل من ظلال الدنيا؛ وقد تجلى فيه سر الحياة، وهو السر الذي لا يطعم ولا يشرب ولا يلبس ولا يشتهي ولا يطمع في شيء ولا يحرز شيئا، وإنما طبيعته أشواقه الكونية، واتصاله بنفحات القوة الأزلية المسخرة للوجود كله. فانتشرت هذه الموجة الكهربائية الأثيرية حول الجارية من قلبها، وجاء الذئب فالتج فيها وغمرته الروحانية الغالبة، فإذا هو يفتح عينه على كون غريب قد تجلى السلام عليه، فليس فيه إلا قوة آمرة أمرها بائتلاف كل شيء مع كل شيء، واجتماع المتنافرين في حالة معروفة لا في حالة إنكار. فصار الذئب مستيقظا، ولكنه في روح النوم، وشلت فيه الذئبية الطبيعية، فإذا هو يحمل الأنياب والأظافر وقد أنسي استعمالها؛ وبقيت حركته الحيوانية، ولكن تعطلت بواعثها فبطل معناها.

ومن كل ذلك اختفى الذئب الذي هو في الذئب، وبقي الحيوان حيا ككل الأحياء، فناسب الشاة وفزع إليها إذ لم تكن العلاقة بينهما علاقة جسم الآكل بجسم الأكيلة، بل علاقة الروح الحي بروح حي مثله1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت