قال"النابغة": أما أنا فقد فهمت ولكن هذا المجنون لم يفهم. أكتب يا س. ع: جلس نابغة القرن العشرين مجلسه للفلسفة على غير إعداد ولا تمكن، وبدون كتبه ألبتة... وكان هذا أجمع لرأيه وأذهن له وأدعى لأن يتوفر على الإملاء بكل"مواهبه العقلية"؛ ولما أن فكر النابغة أعطي النظر حقه وجمع في عقله الفذ جزالة الرأي إلى قوة التفنن والابتكار، قال مرتجلا: إن فلسفة الذئب والشاة حين لم يأكلها ولم تنطحه، هي بالنص والحرف كما قال أستاذ نابغة القرن العشرين.
1 روت الصحف في هذه الأيام قصة حاكم إنجليزي كان قد اقتنص ذئبا هنغاريا وشده في سلسلة وجعله في حديقة داره إلى أن يرى فيه رأيا؛ وكان للحاكم طفل صغير أعجبه الذئب ومنظره الوحشي فتربص إلى الليل، فلما استثقل أهله نوما انسل من حجرته وهبط الحديقة وجاء إلى الذئب فوثب هذا يتحفز لافتراسه؛ ولكن الطفل لم يدرك شيئا من معنى هذه الوحشية، ولم يكن في نفسه إلا أن الذئب كالكلب فلم يضطرب ولم يخف ولم يداخله الشك؛ ومضى إلى الوحش مسرورا مطمئنا فتناوله من شعره وجعل يمسحه بيده الصغيرتين ويعبث به، والذئب مدهوش ذاهل، ثم سكن واستأنس إليه كأنه مع جرو من أجرائه لا مع طفل آدمي؛ وجذبه الطفل من رقبته حتى أضجعه ثم اتخذه وسادة ووضع رأسه على ظهره ونام... وافتقدت الطفل مربيته فلم تجده في فراشه، فنبهت أهله وذهبوا يبحثون عنه في غرف الدار، ثم نزلوا إلى الحديقة فبصروا به نائما ورأسه على الذئب، وخافوا إزعاج الوحش فرموه بالرصاص فقتلوه وقام الطفل يبكي على صديقه الوفي...
هذا هو أثر الروح المطمئنة الماضية على يقينها، ولكن أين مثل هذا اليقين في مثل هذه الحالة؟ وكل مروضي الوحوش يعلمون أنه أول وآخر ما يخيفونها به هو نزع الخوف من أنفسهم، وأن هذا هو وحده سلاح النفس في النفس.
"حاشية"وإن مجنون المتن لم يفهم هذه الفلسفة.