قلت: كأن الدنيا تحت قدميك وأنت فيها الزاهد العظيم الذي لا يقول في حسن هذا أحسن لأنه فوق الشهوة، ولا في نعيم هذا أطيب لأنه فوق الطمع، ولا في مال هذا أكثر لأنه فوق الحرص. وأحسبك لو كنت ترعى غنما لكنت الحقيق في عصرنا بقول تلك الراعية الزاهدة: أصلحت شأني بيني وبينه فأصلح بين الذئب والغنم.
قال: وكيف ذلك؟
قلت: حكي عن بعض الصالحين أنه فكر ذات ليلة فقال في نفسه: يا رب! من زوجتي في الجنة؟ فأري في منامه ثلاث ليال أنها جارية سوداء في أرض كذا, فجاء تلك الأرض فسأل عن الجارية، فقال له رجل: ما هذا؟ تسأل عن جارية سوداء مجنونة كانت لي فأعتقتها؟ قال: وماذا رأيتم من جنونها؟ قال: كانت تصوم النهار فإذا أعطيناها فطورها تصدقت به، وكانت لا تهدأ الليل ولا تنام فضجرنا منها.
قال: فأين هي؟ قال ترعى غنما للقوم في الصحراء.
فذهب إلى الصحراء فإذا هي قائمة في صلاتها، ونظر إلى الغنم فإذا ذئب يدلها على المرعى وذئب يسوقها. فملا فرغت من صلاتها سلم عليها فأنبأته أنه زوجها في الجنة وأنبأها أنه بشر بها؛ ثم سألها ما هذه الذئاب مع الأغنام؟ قالت: نعم أصلحت شأني بيني وبينه فأصلح بين الذئب والغنم.
قال"النابغة": هذا كذب لأنه عجيب، وهو عجيب لأنه كذب.
قلت: وأي عجيب في هذا؟ إن الذئب والشاة، والأسد والغزال، والثعبان والعصفور، وكل آكل ومأكول من الأحياء، لو هي دخلت في دائرة الصلاة الحقيقية لانتظمت كلها صفا واحدًا يركع ويسجد. فهذه الجارية نشرت روح الصلاة والتقوى على كل ما حولها من قلبها الطاهر المطمئن بالإيمان فوقع الذئب منها في دائرة مغناطيسية، فسلب وحشيته ورجع مسخرًا لفكرة الصلاح والخير إذ تجانست فيه الحياة بما حولها، وانسجم النوع والنوع في حركة متجاوبة انسجام الرجل المغناطيسي هو ومن ينومه في إرادة واحدة وفكرة واحدة.