قلت: فهذا قرش تدفعه ثمنا لها، فاذهب فاستمتع بها وبالتدخين وبالراحة في ذلك الندى، فالمكان ههنا كثير الضجيج والحركة. واستوفزت للقيام؛ ولكنه لم يتحلحل من مجلسه.
ثم قال: أراك الآن مستبصرًا أني"نابغة القرن العشرين"بعينه.
قلت: بل بعينيه اليمنى واليسرى معًا...
قال: لا. لا؛ إنك نسيت أن العرب تقول في التوكيد: عينه ونفسه وذاته."أي أنا نابغة القرن العشرين بعينه ونفسه وذاته، فليس غيري نابغة القرن العشرين".
وكادت نفسي تخرج غيظا، ولكني رأيت الحلم على مثل هذا يجري مجرى الصدقة؛ وقلت: إن أدباء المجانين كثيرًا ما يتفق لهم الإبداع الطريف إذا عللوا شيئا، كذلك القاص الذي كان يقص على العامة سيرة يوسف -عليه السلام- فقال لهم فيما قال: إن الذئب الذي أكل يوسف كان اسمه كذا، فردوا عليه: إن يوسف لم يأكله الذئب. قال: فهذا هو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.
1 هذا مثل في معنى زاد الطين بلة، والحمأة إذا مدها الماء زادت واتسعت.
2 أي لمعت غضبا.
3 نحن نستعمل الندي لمكان القهوة.
فقلت للمجنون: فما العلة عندك في أن العرب لم يقولوا في التوكيد: عينه وأذنه وأنفه وفمه ويده ورجله؟
فنظر نظرة في الفضاء ثم قال: ليسوا مجانين فيخلطوا هذا الخلط، وإلا وجب أن يقولوا مع ذلك: وعمامته وثوبه ونعله وبعيره وشاته ودراهمه."هذا من جهة، ومن جهة ليس معي أجرة السيارة إلى بلدي وهي قرشان".
قلت: هذه هي أجرة السيارة وصحبتك السلامة، ونهضت واقفًا؛ ولكنه لم يتحرك.