فأعجبه هذا التأويل وقال: بمثل هذا أنا"نابغة القرن العشرين"، فأقرأ مقالتك في الغيب من قبل أن تكتبها...
قلت: إنك تكثر أن تقول عن نفسك"نابغة القرن العشرين"، وهذا يحصر نبوغك في قرن بعينه؛ فلو قطعت الكلمة وقلت:"نابغة القرن"، لصح أن تكون نابغة القرن التاسع عشر والثامن عشر، وما قبلهما وما بعدهما.
فرأيت به شدهة كأنه يفكر في جنونه، ثم أفاق وقال: لا. لا؛ وإن هاهنا موضع نظر، فلو رضيت بنابغة القرن فقط، لجاء من يقول: إني نابغة قرن خروف...
1 طعام كانوا يتخذونه من التمر والسمن.
فقلت في نفسي: حمأة مدت بماء1، وإن هذه الوساوس لا تنفك تعرو هذا المسكين ما وجد من يكلمه؛ والأفكار في ذهنه مجتمعه مختلطة مسترسلة كأنها ثورة من الكلام لا نظام لها، فلأسكت عنه ولأتشاغل بما بين يدي.
وسكت وأعرضت عنه؛ فجعل طائفه يعتريه، وكأن السكوت قد سلط أفكاره عليه، وكأنها أخذت تصيح به في رأسه كما يصيح غلمان الطرق بالمجنون، لا يزالون به حتى يحردوه ويفقدوه البقية من صبره وعقله معا. فغضب"نابغة القرن العشرين"ونقله الغضب إلى حالة زمهرت فيها عيناه2، وكلح وجهه حتى خفت أن يثور به الجنون، فأقبلت عليه وتعللت بسؤاله: ألك إخوة؟ ألم ينبغ فيهم نابغة؟
قال: إن له أخا يعذبه، ويوقع به ضربا، ويعلله بالسلاسل، ويشده"بأمراس كتان إلى صم جندل"، وأنه أنزل به العذاب ما لو أنزله بحجر لتألم.
قلت: فأنت في حاجة إلى راحة، ويحسن بك أن تأوي إلى مكان تتمدد فيه.
قال: إني منصرف وسأجلس في ندي كذا3"هذا من جهة، ومن جهة ليس معي ثمن القهوة".