فتهللت واستبشرت، وقلت له: هذا قرش فهلم فاشتر به دخائنك، وفي رعاية الله، ثم استويت للقيام، ولكنه لم يقم؛ بل تمكن في مجلسه...
1 ما بين القوسين هو كلامه بنصه كما نبهنا إلى ذلك، والباقي ترجمناه نحن عن معانيه، وأكثر ما يأتي فهذه سبيله.
وكرهت أن أتغير له وما أشك أنه في هذا صحيح التمييز؛ فما أسرع ما قال: إن"نابغة القرن العشرين"فتى قوي الإرادة؛ فإذا هو لم يصبر عن التدخين ساعات فما هو بصبور... وإذا لم يثبت لك هذا الأمر عن معاينة... فما أعطيته حقه.
فقلت في نفسي: لقد غرست الرجل من حيث أردت اقتلاعه، وأيقنت أنه من عقلاء المجانين الذين تتغير فيهم العاطفة أحيانا فتلهمهم آيات من الذكاء لا يتفق مثلها إلا لنوابغ المنطق؛ وذكرت"بهلول"المجنون الذي حكوا عنه أن إبراهيم الشيباني مر به وهو يأكل خبيصًا1 فقال له: أطعمني. قال: ليس هو لي، إنما هو لعاتكة بنت الخليفة بعثته إلي لآكله لها...
وقالوا: إنه مر بسوق البزازين فرأى قوما مجتمعين على باب وكان قد نقب، فنظر فيه وقال: أتعلمون من عمل هذا؟ قالوا: لا. قال: فأنا أعلم.
فقالوا: هذا مجنون يراهم بالليل ولا يتحاشونه، فألطفوا به لعله يخبركم. ثم قالوا: أخبرنا. قال: أنا جائع. فجاءوه بطعام سني وحلواء؛ فلما شبع قام فنظر في النقب وقال: هذا عمل اللصوص...
وكانت مجلة"الرسالة"في يد"نابغة القرن العشرين"، فوصل الكلام بها وقال: إنه يقرأ كل مقالاتي، وإنه وإنه، وإنها وإنها. قلت: فما استحسنت منها؟ قال:"مقالة السيما"...
فقلت: متى كان آخر عهدك برؤية السيما؟ قال: أمس.
قلت: فأنا لم أكتب مقالا عن السيما، ولكنك أعجبت بما رأيت أمس فتحول ما رأيته حلما في مقالة.