فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 1123

أصبحت فقلت لنفسي: كم تعيشين ويحك في أحكام جسد مختل لا تصدق أحكامه، وما أنت معه في طبيعتك ولا هو معك في طبيعته؛ ففيم اجتماعكما إلا على بلائي ونكدي؟

لم تصطلحا قط على واجب ولا لذة، ولا حلال ولا حرام؛ فأنتما عدوان لا هم لكليهما إلا إفساد المسرة التي تعرض للآخر. وما أدري بمن يسخر الشيطان منكما؟ فالعابد الذي يوسوس باللذات يتمنى اقترافها، كالفاجر الذي يواقعها ويقتحمها!

ويحك يا نفس! إني رأيت هذه الدنيا الخرقاء لم تقدم لي إلا رغيفا وقالت: املأ بهذا بطنك وعقلك وعينيك وأذنيك ومشاعرك. آه، آه! ممكن واحد معه أربع مستحيلات1؛ إن هذا لا يلبثني أن يذهب مني بالأربعة التي تمسكني على الحياة: الأمل والعقل والإيمان والصبر.

1 الرغيف يملأ البطن فهذا هو الممكن ولكن عمله في الباقيات مستحيل.

لقد استوى في هذه الكآبة صغير همي وكبيره، وما أراني إلا قد أشرفت على الهلكة التي لا باقية لها، فإن وجهي المتكلح المتقبض يدل مني على أعصاب متحضرة نهكتها أمراضها ووساوسها، وإنما وجه الإنسان في قطوبه أو تهلله هو وجهه ووجه دنياه تعبس أو تبتسم.

وتالله لقد عجزت عن كفاح الدنيا بهذه الأعصاب المريضة الواهنة؛ فإن حبالة الصيد -صيد الوحش- لا تكون من خيط الإبرة! وأراني أصبحت كإنسان حجري ليس في طبيعته الالتواء إلى يمين الحياة ويسارها؛ ويخيل إلي من صلابتي أني الأسد، ولكني أسد من حجر، لا تفرض قوته الفرار منه على أحد!

قال أبو محمد: ورأيت نفسي في هذا الحوار كالميتة، لا تجيب ولا تعترض ولا تنكر، وكنت أظنها تراودني على الحياة أو تردني عن غوايتي؛ فملأني سكونها جزعا، وأيقنت أن الشيطان بيني وبينها، وأنه أخذ بمنافذها، فأردت الصلاة فثقلت عنها ورأيتني لا أصلح لها، بل خيل إلي أني إذا قمت إلى الصلاة فإنما قمت لأتهزأ بالصلاة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت