وجعل الشيطان يأخذني عن عقلي ويردني إليه، ثم يأخذني ويردني، حتى توهمت أني جننت وكأنما كان يريد اللعين بقية إيماني يجاذبني فيها وأجاذبه، فلم ألبث أن مسني خبال وألقيت هذه البقية في يديه!
ثم أفقت إفاقة سريعة، فرأيت"المصحف"يرقبني قريب، فعذت به وعطفت عليه وقلت له: امنع الضربة عن قلبي. بيد أني أحسست أنه خصمي في موقفي لا ظهيري؛ كأني جعلته مصحفا عند زنديق، فكان كل إيماني الذي بقي لي في تلك اللحظة أني ضعفت عن حمل المصحف كما ثقلت عن الصلاة، فبقي الطاهر طاهرًا والنجس نجسا.
ولم تكن نفسي في ولا كنت فيها؛ وفرأيت الدنيا على وجه لا أدري ما هو، غير أنه هو ما يمكن أن يكون معقولا من تخاليط مجنون تركه عقله من ساعة: بقايا شعور ضعيف، وبقايا فهم مريض، تتصاغر فيهما الدنيا، ويتحاقر بهما العقل.
فملا انتهيت إلى هذا لم أعقل ما عملت وكانت الموسى قد أصابت من يدي عرقا ناشزًا منتبرًا، ففار الدم وانفجرت منه مثل الينبوع ضرب عنه الصخر فانشق فانبثق.
وتحققت حينئذ أنه الموت فنظرت فرأيت...
قال المسيب راوي القصة: وتجهم وجه الرجل فأطرق وسكت، وكان على وجهه شفق محمر فأظلم بغتة عندما قال:"فنظرت فرأيت".
وارتج المسجد بصيحة واحدة: فرأيت ماذا؟ رأيت ماذا؟
وبعثت الصحية أبا محمد فقال: رأيت ثلاثة وجوه أشرفت من المصحف تنظر إلي كالعاتبة، وكان أوسطها كالقمر الطالع، لو تمثلت آيات الجنة كلها وجهًا لكانته في نضرته وبشاشته، وغمغمت الوجوه الثلاثة بكلمات لم أسمع منها شيئا، ولكن نظرها إلي كان يؤدي لي معانيها، وكأنها تقول:"أكذلك المؤمن...؟".
ثم غابت وتخلت عني وبرزت ثلاثة وجوه أخرى، كأنها نقائض تلك، وأعوذ بالله من أوسطها، لو تمثلت آيات الجحيم كلها وجها لكانته في نكره وهوله، وخيل إلي أن الوجه الأصغر منها وجه سورة من سور المصحف، ففكرت، فوقع لي مما قام في نفسي من اللعنة أنها: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] .