فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 1123

وتنقص بنقصها، بل القوة في الروح التي تتصرف بطبيعة الوجود، وتدفع قوى الجسم بمثل دوافع الطفولة النامية المتغلبة، حتى لتجعل من النور والهواء ما يؤتدم به مع الخبز القفار، كما يؤتدم باللحم وأطايب الأطعمة1.

وبذلك لا تتسلط ضرورة على الجسم -كالجوع والفقر والألم ونحوها- إلا كان تسلطها كأنه أمر من قوة في الوجود إلى قوة في هذا الجسم, أن تظهر لتعمل عملها المعجز في إبطال هذه الضرورة. وهذا الجنس من الناس كالأزهار على أغصانها الخضر؛ لو قالت شيئا لقالت: إن ثروتي في الحياة هي الحياة نفسها، فليس لي فقر ولا غنى، بل طبيعة أو لا طبيعة.

1 عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على"أم هانئ"وكان جائعًا، فقال لها:"أعندك طعام آكله؟"فقالت:"إن عندي لكسرا يابسة، وإني لأستحيي أن أقدمها إليك"فقال:"هلميها!"، فكسرها في ماء، وجاءته بملح، فقال:"ما من إدام؟"فقالت:"ما عندي إلا شيء من خل". فقال"هلميه!"فلما جاءت به صبه على طعامه فأكل منه، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"نعم الإدام الخل يا أم هانئ، لا يقفر بيت فيه خل"اهـ.

ولقد كان المسلم يضرب بالسيف في سبيل الله, فتقع ضربات السيوف على جسمه فتمزقه؛ فما يحسها إلا كأنها قبل أصدقاء من الملائكة يلقونه ويعانقونه!

وكان يبتلى في نفسه وماله، فلا يشعر في ذلك أنه المرزأ المبتلى يعرف فيه الحزن والانكسار، بل تظهر فيه الإنسانية المنتصرة كما يظهر التاريخ الظافر في بطله العظيم أصيب في كل موضع من جسمه بجراح، فهي جراح وتشويه وألم، وهي شهادة النصر!

ولم تكن أثقال المسلم من دنياه أثقالًا على نفسه, بل كانت له أسباب قوة وسمو؛ كالنسر المخلوق لطبقات الجو العليا، ويحمل دائما من أجل هذه الطبقات ثقل جناحيه العظيمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت