فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 1123

وكأن الله -تعالى- ألقى في رمال الجزيرة روح البحر، وبعثها بعثة الإلهي لأمره، فكان النبي صلى الله عليه وسلم هو نقطة المد التي يفور البحر منها، وكان المسلمون أمواجه التي غسلت بها الدنيا.

1 كان محمد صلى الله عليه وسلم يستبطئ الصلاة وقد جاء وقتها، من شدة شوقه إليها فيقول:"أرحنا بها يا بلال", ولا أفصح ولا أدق في تصوير نفسيته صلى الله عليه وسلم وأشواق روحه العالية من قوله:"أرحنا بها". فهذا كمال الاتصال بينه وبين خالقه.

لهذا سمع المسلمون الأولون كلام الله -تعالى- في كتابه، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، لا كما يسمعون القول، ولكن كما يتلقون الحكم النافذ المقضي؛ ولم يجدوا فيه البلاغة وحدها، بل روعة أمر السماء في بلاغة؛ واتصلوا بنبيهم، ثم بعضهم ببعض، لا كما يتصل إنسان بإنسان، بل كما تتصل الأمواج بقوة المد، ثم كما يمد بعضها بعضا في قوة واحدة.

وحققوا في كماله صلى الله عليه وسلم وجودهم النفسي؛ فكانوا من زخارف الحياة وباطلها في موضع الحقيقة الذي يرى فيه الشيء لا شيء.

ورأوا في أرادته صلى الله عليه وسلم النقطة الثابتة فيما يتضارب من خيالات النفس؛ فكانوا أكبر علماء الأخلاق على الأرض، لا من كتب ولا علم ولا فلسفة، بل من قلب نبيهم وحده.

وعرفوا به صلى الله عليه وسلم تمام الرجولة؛ ومتى تمت هذه الرجولة تمامها في إنسان رجعت له الطفولة في روحه، وامتلك تلك الطبيعة التي لا يملكها إلا أعظم الفلاسفة والحكماء فأصبح كأنما يمشي في الحياة إلى الجنة بخطوات مسددة لا تزيغ ولا تنحرف، فلا شر ولا رذيلة؛ ودنياه هي الدنيا كلها بشمسها وقمرها، يملكها وإن لم يملك منها شيئا، ما دامت في قلبه طبيعة السرور، فلا فقر ولا غنى مما يشعر الناس بمعانيه، بل كل ما أمكن فهو غنى كامل، إذ لم تعد القوة في المادة تزيد بزيادتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت