فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 1123

عليها؛ فإن فلسفته أن هذه النفس هي أساس العالم، وأن النظام الخلقي هو أساس النفس، وأن العمل الدائم هو أساس النظام، وأن روح العمل الدائم تكون فيما يشق بعض المشقة ولا يبلغ العسر والحرج، كما تكون فيما يسهل بعض السهولة ولا يبلغ الكسل والإهمال.

وللنفس وجهان: ما تعلن، وما تسر؛ ولا صدق لإعلانها حتى يصدق ضميرها، ولا صلاح لجهرها حتى يصلح السر فيها، ولا يكون الإنسان الاجتماعي فاضلا بمشهده حتى يكون كذلك بغيبه.

وللعالم كذلك وجهان: حاضره الذي يمر فيه، وآتيه الذي يمتد له؛ ولا يفلح حاضر منقطع لا يورث ما بعده كما ورث ما قبله، وما حاضر الإنسانية إلا جزء من عمل الناس في استمرار فضائلهم باقية نامية.

وللنظام أيضًا وجهان: نظام الرغبة على الطاعة والاطمئنان لها، ونظام الرغبة على الخشية والنفرة منها. ولا يستقيم شأن ليس أساسه الطاعة في النفس، ولا يستمر نظام عليه خلاف من فكر العامل به.

وللعمل الدائم طريقتان: إحداهما طريقة الجاد يعمل للعاقبة يستيقنها، فلا يجد مما يشق عليه إلا لذة المغالبة للنصر: كل مرارة من قبله هي حلاوة فيه من بعد, ولا يعرف للمحنة يبتلى بها إلا معناها الحقيقي وهو إيقاظ نفسه، فيصبح الصبر عنده كصبر المحب على أشياء ممن تحبه؛ صبر فيه من السحر ما يكسو الحرمان في بعض الأحيان خيال الاستمتاع، ويذيق النفس في العجز عن بعض أغراضها, لذة كلذة إدراكه.

تلك هي فلسفة الإسلام؛ لا قوام للأمر فيها ولا مساك له إلا بتقرير معنى الدوام لكل أعمال النفس، ووضع طابع الجنة على أعمال الجنة، وطابع النار على أعمال النار -وحياطة كل فرد من الناس حياطة رياضية عملية بين الساعة والساعة، بل بين الدقيقة والدقيقة، بما يكلف من أعمال جسمه وحواسه، ثم أعمال قلبه ونيته-وتعظيم الشخصية الروحية دون الشخصية المادية، فلا يحاول كل إنسان أن يجعل بطنه في حجم مملكة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت