فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 1123

أو مدينة أو قرية، بما ينتقص من حقوق غيره؛ بل تتسع ذاتية كل فرد بما يجب له على المجتمع من الواجبات الإنسانية؛ وبهذا لا بغيره تعين مقاييس الأخلاق في الأرض بالمصلحة لا باللذة؛ فلا يقع الخطأ ولا التزوير، وتنحل المشكلة الاجتماعية ما دامت الحياة لا تجد من أهلها كل ساعة عقدًا فيها.

والاستيلاء بذلك المعنى على العقل والعاطفة هو وحده الطريقة لإنشاء طبيعة الخير في الناس على نسقها الطبيعي، كما أنه هو وحده الطريقة لتطهير التاريخ الإنساني من أوبائه الاقتصادية، التي جعلته كأنما هو تاريخ الأسنان والأضراس، وتركت الناس يهدم بعضهم بعضا، كما يهدم الجار حائط جاره ليوسع بيته.

وأساس العمل في الإسلام إخضاع الحياة للعقيدة، فتجعلها العقيدة أقوى من الحاجة، فيكون الفقير معدما ويتعفف، ويكون الغني موسرا ويتصدق، ويكون الشره طامعا ويمسك، ويكون القوي قادرًا ويحجم، وكما قال العربي في تحقيق ناموس الأنفة والحمية وغلبته على الناموس الاقتصادي:"تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها".

تريد الإنسانية امتدادًا غير امتدادها التجاري في الأرض، وتحتاج إلى معنى يقود إنسانها غير الحيوان الذي فيه؛ وإذا قاد الغراب قومًا فإنما هو -كما قال شاعرنا- يمر بهم على جيف الكلاب... والإنسانية اليوم في مثل ليل حوشي مظلم اختلط بعضه في بعض، وليست معاني الإسلام إلا الإشراق الإلهي على هذه الكثافة المادية المتراكمة، وإذا رفع المصباح لم تجد الظلام إلا وراء الحدود التي تنتهي إليها أشعته.

وقد علمنا من طبيعة النفس أن إنسانية الفرد لا تعظم وتسمو وتتخيل وتفرح فرحها الصادق وتحزن حزنها السامي, إلا أن تعيش في محبوب؛ فإنسانية العالم لا تكون مثل ذلك إلا إذا عاشت في نبيها الطبيعي، نبي أخلاقها الصحيحة وآدابها العالية ونظامها الدقيق؛ وأين تجد هذا المحبوب الأعظم إلا في محمد ودين محمد؟

وعجيب أن يجهل المسلمون حكمة ذكر النبي العظيم خمس مرات في الأذان كل يوم، ينادى باسمه الشريف ملء الجو؛ ثم حكمة ذكره في كل صلاة من الفريضة والسنة والنافلة, يهمس باسمه الكريم ملء النفس! وهل الحكمة من ذلك إلا الفرض عليهم ألا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت