فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 1123

لتحقيق الخير والمصلحة، وإذا نواميس الطبيعة المجنونة في هذا الحيوان، قد نهضت إلى جانبها نواميس الإرادة الحكيمة في الإنسان، وإذا كل صغيرة وكبيرة في النفس هي من صاحبها مادة تهمة عند قاضيها في محكمتها، وإذا كل ما في الإنسان وما حول الإنسان لا يراد منه إلا سلام النفس في عاقبتها، وإذا معنى السلام هو المعنى الغالب المتصرف بالإنسانية في دنياها.

وكل أعمال الإسلام وأخلاقه وآدابه، فتلك هي غايتها، وهذه هي فلسفتها، لا يقررها للإنسانية حسب، بل يغرسها في الوراثة غرسا بالاعتياد والمران الدائم، لتكون علما وعملًا، فتمكن لسلام النفس بين الأسلحة المسددة إليها من ضرورات الحياة، في أيدي الأعداء المتألبة عليها من شهوات الغريزة.

فليس يعم السلام إلا إذا عم هذا الدين بأخلاقه فشمل الأرض أو أكثرها؛ فإن قانون العالم حينئذ يصبح منتزعا من طبيعة التراحم، فإما انتسخ به قانون التنازع الطبيعي، وإما كسر من شرته؛ ويولد المولود يومئذ وتولد معه الأخلاق الإنسانية.

تقرير معنى الدواء لكل أعمال النفس حتى مثقال الذرة من الخير والشر، وضبط ذلك برياضة عملية دائمة مفروضة على الناس جميعًا -هذا هو أساس العقيدة الإسلامية؛ ولا صلاح للإنسانية بغيره يردها إلى سبيل قصدها، فإن من ذلك تكون الصفة العقلية التي تغلب على المجتمع، وتجانس بين أفراده, فتوجه الإنسانية كلها نحو الممكن من كمالها، ولا تزال توجهها نحو ما هو أعلى، وتحكم فاسدها بصالحها، وتأخذ عاصيها بمطيعها، وتجعل الشرف الإنساني غرضها الأول، لأن الله الحق غرضها الأخير؛ فيصبح المرء -وهذا دينه- كلما تقدم به العمر كمل فيه اثنان: الإنسان، والشريعة. ولا يعود طالب السعادة النفسية في الدنيا كالمجنون يجري وراء ظله ليمسكه؛ فلا يدرك في الآخرة شيئا غير معرفته أنه كان في عمل باطل وسعي ضائع.

والإسلام يحرص أشد الحرص وأبلغه على تقرير ذلك المعنى الإلهي العظيم، لا بالمنطق، ولكن بالعمل؛ ثم في النفس وعواطفها، لا في العقل وآرائه؛ ثم على وجه التعميم، دون الاستثناء والخصوص؛ وذلك هو سر مشقته على النفس بما يفرضه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت