فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 1123

الروحي عن معانٍ أدخلتني من الدنيا في دنيا على حِدَة. فما المسجد بناء ولا مكانًا كغيره من البناء والمكان، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويضطرب؛ فإن في الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد إذ يجمع الناس مرارًا في كل يوم على سلامة الصدر، وبراءة القلب، وروحانية النفس؛ ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخوله المسجد.

ثم يستوي الجميع في هذا المجسد استواءً واحدًا، ويقفون موقفًا واحدًا، ويخشعون خشوعًا واحدًا، ويكونون جميعًا في نفسية واحدة؛ وليس هذا وحده، بل يَخِرّون إلى الأرض جميعًا ساجدين لله؛ فليس لرأس على رأس ارتفاع، ولا لوجه على وجه تمييز؛ ومن ثم فليس لذات على ذات سلطان. وهل تحقق الإنسانية وَحْدَتها في الناس بأبدع من هذا؟ ولعمري أين يجد العالم صوابه إلا ههنا؟

فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع. هو فكر واحد لكل الرءوس؛ ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل، وكما يُشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم، يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله.

وما حركة في الصلاة إلا أولها"الله أكبر"وآخرها"الله أكبر"؛ ففي ركعتين من كل صلاة إحدى عشرة تكبيرة يجهر المصلون بها بلسان واحد؛ وكأني لم أفطن لهذا من قبل، فأي زمام سياسي للجماهير وروحانيتها أشد وأوثق من زمام هذه الكلمة التي هي أكبر ما في الكلام الإنساني؟ولما قُضيت الصلاة سلمتُ على المَلَك وسلم عليَّ، ورأيته مقبلًا محتفيًا، ورأيتني أثيرًا في نفسه، وجالت في رأسي الخواطر فتذكرت القصة التي أريد أن أكتبها؛ وأن المؤذن يكرر في خاتمة أذانه:"الله أكبر الله أكبر"فإذا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت