الأول؛ وأنظر إلى جانب المحراب شيخًا بادِنًا يملأ موضع رجلين، وقد نفح منه ريح المسك، وهو في ثياب من سندس خُضْر؛ فلما حاذيته جمع نفسه وانكمش، فكأنما هو يُطوَى طيًّا، ورأيت مكانًا وسعني فحططت فيه إلى جانبه، وأنا أعجب للرجل كيف ضاق ولم أضيق عليه، وأين ذهب نصفه الضخم وقد كان بعضه على بعضه زِيَمًا على زِيَم1 وامتلاء على امتلاء.
وجعلت أحدس عليه ظني، فوقع في نفسي أنه مَلَك من ملائكة الله قد تمثل في الصورة الآدمية فاكتتم فيها لأمر من الأمر.
ــــــــــــــــــــ
1 أي: كتلًا على كتل، والزيم: المتفرق من اللحم.
وضج الناس:"الله أكبر الله أكبر!"في صوت تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، غير أن الناس مما أَلِفوا الكلمة ومما جهلوا من معناها, لا يسمعونها إلا كما يسمعون الكلام؛ أما الذي إلى جانبي فكان ينتفض لها انتفاضة رجَّتني معه رجًّا، إذ كنت ملتصقًا به مناكبًا له؛ وكأن المسجد في نفضه إيانا كان قطارًا يجري بنا في سرعة السحاب، فكل ما فيه يرتج ويهتز. ورأيت صاحبي يذهل عن نفسه، ويتلألأ على وجهه نور لكل تكبيرة، كأن هناك مصباحًا لا يزال ينطفئ ويشتعل؛ فقطعتُ الرأي أنه من الملائكة.
ثم أقيمت الصلاة وكبَّر أهل المسجد، وكنت قرأت أن بعضهم صلى خلف رجل من عظماء النفوس الذين يعرفون الله حق معرفته؛ قال: فلما كبر قال:"الله"ثم بهت وبقي كأنه جسد ليس به روح من إجلاله الله تعالى؛ ثم قال:"أكبر"يعزم بها عزمًا، فظننت أن قلبي قد انقطع من هيبة تكبيره.
قلت أنا: أما الذي إلى جانبي، فلما كبر مد صوته مدًّا ينبثق من روحه ويستطير، فلو كان الصوت نورًا لملأ ما بين الفجر والضحى.
وعرفت -والله- من معنى المسجد ما لم أعرف، حتى كأني لم أدخله من قبل، فكان هذا الجالس إلى جانبي كضوء المصباح في المصباح؛ فانكشف لي المسجد في نوره