قال الأستاذ"ح": ولكنا أبعدنا عن قصة هذه الحياة، ما كان أولها؟ قالت: إن الشبان والرجال عِلْم يجب أن تعلمه الفتاة قبل أوان الحاجة إليه؛ ويجب أن يقر في ذهن كل فتاة، أن هذه الدنيا ليست كالدار فيها الحب، ولا كالمدرسة فيها الصداقة، ولا كالمحل الذي تبتاع منه منديلًا من الحرير أو زجاجة من العطر، فيه إكرامها وخدمتها.
وأساس الفضيلة في الأنوثة الحياء؛ فيجب أن تعلم الفتاة أن الأنثى متى خرجت من حيائها وتهجَّمت، أي: توقَّحت، أي: تبذَّلت، استوى عندها أن تذهب يمينًا أو تذهب شمالًا، وتهيأت لكل منهما ولأيهما اتفق؛ وصاحبات اليمين في كَنَف الزوج وظِلّ الأسرة وشرف الحياة، وصاحبات الشمال ما صاحبات الشمال.
قلت: هذا هذا, إنه الحياء، الحياء لا غيره؛ فهل هو إلا وسيلة أعانت الطبيعة بها المرأة لتسمو على غريزتها متى وجب أن تسمو، فلا تلقى رجلًا إلا وفي دمها حارس لا يغفل. وهل هو إلا سلب جمعته الطبيعة إلى ذلك الإيجاب الذي لو انطلق وحده في نفس المرأة لاندفعت في التبرج والإغراء، وعرض أسرار أنوثتها في المعرض العام؟
قالت: ذاك أردت، فكل ما تراه من أساليب التجميل والزينة على وجوه الفتيات وأجسامهن في الطرق، فلا تعدنه من فَرْط الجمال، بل من قلة الحياء.
واعلم أن المرأة لا تخضع حق الخضوع في نفسها إلا لشيئين: حيائها وغريزتها.
قلت: يا عجبا! هذا أدق تفسير لقول تلك المرأة العربية:"تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها". فإن اختضعت المرأة للحياء كفَّت غريزتها.
قالت: ... وجعلها الحياء صادقة في نفسها وفي ضميرها، فكانت هي المرأة الحقيقية الجديرة بالزوج والنسل وتوريث الأخلاق الكريمة وحفظها للإنسانية.
قلتُ: ومن هذا يكون الإسراف في الأنوثة والتبرج أمام الرجال كذبًا من ضمير المرأة.
قالت: ومن أخلاقها أيضًا؛ ألا ترى أن أشد الإسراف في هذه الأنوثة وفي هذا التبرج لا يكون إلا في المرأة العامة؟