فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 1123

له: يدع أشياء كثيرة لا بأس عليه فيها لو أتاها؛ ليقوى على أن يدع ما فيه بأس، فإن الذي يترك ما هو له يكون أقوى على ترك ما ليس له.

والنفس لا بد راجعة يومًا إلى الآخرة، وتاركة أداتها؛ فقِوام نظامها في الحياة الصحيحة أن تكون كل يوم كأنها ذهبت إلى الآخرة وجاءت. وتلك هي الحكمة فيما فرضته الشريعة الإسلامية من عبادة راتبة تكون جزءًا من عمل الحياة في يومها وليلتها. فإذا لم تكن النفس في حياتها كأنها دائمًا تذهب إلى مصيرها وترجع منه، طمسها الجسم وحبسها في إحدى الجهتين، فلم يبق لها فيه إلا أثر ضئيل لا يتجاوز النصح، كاعتراض المقتول على قاتله؛ يحاول أن يرد السيف بكلمة! وبذلك يتضاعف الجسم في قوته، ويشتد في صَوْلته، ويتصرف في شهواته، كأن له بطنين يجوعان معًا, فتستهلك شهوات المرء دينه, وتقذف به يمينًا وشمالًا، على قصد وعلى غير قصد، وتمضي به كما شاءت في مَدْرجة, مَدْرجة من الشر.

ومثل هذا المسرف على نفسه لا يكون تمييزه في الدين، ولا إحساسه بالخير، إلا كذلك السِّكِّير الذي زعموا أنه أراد التوبة، وكانت له جَرَّتان من الخمر، فلما اتعظ وبلغ في النظر إلى نفسه وحظ إيمانه، وأراد أن يطيع الله ويتوب, نظر إلى الجرتين ثم قال: أتوب عن الشرب من هذه حتى تفرغ هذه!

قال الشيخ: ثم إني تبت على يد الحسن، وأخلصت في التوبة وصححتها، وعلمت من فعله وقوله أن حقيقة الدين هي كبرياء النفس على شرها وظلمها وشهواتها، وأن هذه الكبرياء القاتلة للإثم، هي في النفس أخت الشجاعة القاتلة للعدو الباغي: يفخر البطل الشجاع بمبلغه من هذه، ويفخر الرجل المؤمن بمبلغه من تلك؛ وأن خشوع القلب هو في معناه حقيقة هذه الكبرياء بعينها.

وحدثتُ الحسن يومًا حديث رؤياي1، وما شُبه لي من عملي السيئ وعملي الصالح، فاستدمعت عيناه، وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت