فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 1123

متمردًا بالطبيعة، لا تحكمه من أول تاريخ إلا السماء ومعانيها، وما كان شبيهًا بذلك مما يجيئه من أعلى, أي: بالسلطان والقوة؛ فيكون حقًّا"نازلًا"متدفعًا كما يتصوب الثقل من عال ليس بينه وبين أن ينفذ شيء.

والخشوع لما نزل من الحق ينفي خشوعًا آخر هو الذي أفسد ذات البين من الناس، وهو الخشوع لما قام من المنفعة وانصراف القلب إليها بإيمان الطمع لا الحق.

وبحمل الآية على ذلك الوجه يتحقق العدل والنَّصَفَة بين الناس؛ فيكون العدل في كل مؤمن شعورًا قلبيًّا، جاريًا في الطبيعة لا متكلفًا من العقل؛ وبهذا وحده يكون للإنسان إرادة ثابتة عن الحق في كل طريق، لا إرادة لكل طريق، وتستمر هذه الإرادة متسقة في نظامها مع إرادة الله، لا نافرة منها ولا متمردة عليها؛ وهذا ذلك يثبت القلب مهما اختلفت عليه أحوال الدنيا، فلا يكون من إيمانه إلا سموه وقوته وثباته، وينزل العمر عنده منزلة اللحظة الواحدة، وما أيسر الصبر على لحظة! وما أهون شر"الآن"إن كان الخير فيما بعده.

ألم يأن؛ ألم يأن؛ ألم يأن.

قال الشيخ: وكان الحسن في معانيه الفاضلة هو هذه الآية بعينها؛ فما كانت حياته إلا إسلامية كهذا الكلام الأبيض المشرق الذي سمعته منه؛ شعاره أبدًا:"الآن قبل ألا يكون آن"وإمامه:"خذ نفسك من قلبك"وطريقته:"شرف الحياة لا الحياة نفسها".

وكان يرى هذه الحياة كوقْعَة الطائر؛ هي جناحين مستوْفِزين أبدًا لعمل آخر هو الأقوى والأشد، فلا ينزلان بطائرهما على شيء إلا مطويين على قدرة الارتفاع به، ولا يكونان أبدًا إلا هَفْهافين خفيفين على الطيران؛ إذ كانا في حكم الجو لا في حكم الأرض.

وآلة الوقوع والطيران بالإنسان شهواته ورغباته؛ فإن حطته شهوة لا ترفعه، فقد أوبقته وأهلكته وقذفت به ليؤخذ.

لقد روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس"، وهذا ضرب من خشوع القلب المؤمن فيما يحل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت