إن البنت الطاهرة هي جهاد أبيها وأمها في هذه الدنيا، كالجهاد في سبيل الله، وإنها فوز لهما في معركة من الحياة، يكونان هما والصبر والإيمان في ناحية منها قَبِيلًا، ويكون الشيطان والهم والحزن في الجهة المناوحة قبيلًا آخر.
إن البنت هي أم ودار، وأبواها فيما يكابدان من إحسان تربيتها وتأديبها وحياطتها والصبر عليها واليقظة لها, كأنما يحملان الأحجار على ظهريهما حجرًا حجرًا؛ ليبتنيا تلك الدار في يوم يوم إلى عشرين سنة أو أكثر، ما صحبته وما بقيت في بيته.
فليس ينبغي أن ينظر الأب إلى بنته إلا على أنها بنته, ثم أم أولادها، ثم أم أحفاده؛ فهي بذلك أكبر من نفسها، وحقها عليه أكبر من الحق، فيه حرمتها وحرمة الإنسانية معًا؛ والأب في ذلك يقرض الله إحسانًا وحنانًا ورحمة، فحق على الله أن يوفيه من مثلها، وأن يضعف له.
والبنت ترى نفسها في بيت أهلها ضعيفة كالمنقطعة وكالعالة، وليس لها إلا الله ورحمة أبويها؛ فإن رحماها, وأكرماها فوق الرحمة، وسَرَّاها فوق الكرامة، وقاما بحق تأديبها وتعليمها وتفقيهها في الدين, وحفظا نفسها طاهرة كريمة مسرورة مؤدبة؛ فقد وضعا بين يدي الله عملًا كاملًا من أعمالها الصالحة، كما وضعاه بين يدي الإنسانية. فإذا صارا إلى الله كان حقًّا لهما أن يجدا في الآخرة يمينًا وشمالًا يذهبان بينهما إلى عفو الله وكرمه، وكما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"من كان له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها، وغذّاها فأحسن غذاءها، وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه؛ كانت له ميمنة وميسرة من النار إلى الجنة".
فهذه ثلاث لا بد منها معًا، ولا تجزئ واحدة عن واحدة في ثواب البنت: تربية عقلها تربية إحسان، وتربية جسمها تربية إحسان وإلطاف، وتربية روحها تربية إكرام وإلطاف وإحسان.
قال الشيخ: والله أرحم أن تضيع عنده الرحمة؛ والله أكرم أن يضيع الإحسان عنده، والله أكبر...
وهنا صاح المؤذن: الله أكبر.