فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 1123

قدر الله إلى حكمة الله؛ فلا يلبث ما جاء أن يرجع، وتعود النفس من الرضا بالقدر والإيمان به، كأنما تشهد ما يقع أمامها لا ما يقع فيها.

قال الشيخ: ورجعتُ بجهلي إلى شر مما كنت فيه، وكانت أحزاني أفراح الشيطان؛ وأراد -أخزاه الله- أن يفتَنَّ في أساليب فرحه، فلما كانت ليلة النصف من شعبان -وكانت ليلة جمعة، وكانت كأول نور الفجر من أنوار رمضان- سوَّل لي الشيطان أن أسكر سكْرة ما مثلها؛ فبت كالميت مما ثمِلت، وقذفتني أحلام إلى أحلام, ثم رأيت القيامة والحشر, وقد ولدت القبور من فيها, وسيق الناس وأنا معهم، وليس وراء ما بي من الكرب غاية؛ وسمعت خلفي زفيرًا كفحيح الأفعى، فالتفتُّ فإذا بتنين عظيم ما يكون أعظم منه؛ طويل كالنخلة السَّحُوق، أسود أزرق، يرسل الموت من عينيه الحمراوين كالدم، وفي فمه مثل الرماح من أنيابه، ولجوفه حر شديد لو زفر به على الأرض ما نبتت في الأرض خضراء، وقد فتح فاه ونفخ جوفه وجاء مسرعًا يريد أن يلتقمني، فمررت بين يديه هاربًا فزعًا؛ فإذا أنا بشيخ هرم يكاد يموت ضعفًا، فعذت به وقلت: أجرني وأغثني. فقال: أنا ضعيف كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، ولكن مر وأسرع، فلعل الله أن يسبب لك أسبابًا بالنجاة.

فوليت هاربًا وأشرفت على النار وهي الهول الأكبر، فرجعت أشتد هربًا والتنين على أثري؛ ولقيت ذلك الشيخ مرة أخرى، فاستجرت به فبكى من الرحمة لي وقال: أنا ضعيف كما ترى، وما أقدر على هذا الجبار، ولكن اهرب إلى هذا الجبل، فلعل الله يحدث أمرًا.

فنظرتُ فإذا جبل كالدار العظيمة، له كُوًى عليها سُتُور، وهو يبرق كشعاع الجوهر؛ فأسرعت إليه والتنين من ورائي، فلما شارفت الجبل فُتحت الكوى, ورُفعت الستور، وأشرفت علي وجوه أطفال كالأقمار، وقرب التنين مني، وصرت في هواء جوفه وهو يتضرم علي، ولم يبق إلا أن يأخذني؛ فتصايح الأطفال جميعًا: يا فاطمة! يا فاطمة!

قال الشيخ: فإذا ابنتي التي ماتت قد أشرفت علي، فلما رأت ما أنا فيه صاحت وبكت، ثم وثبت كرمية السهم، فجاءت بين يدي، ومدت إلي شمالها فتعلقت بها، ومدت يمينها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت