إلى التنين فولى هاربًا،وأجلستني وأنا كالميت من الخوف والفزع، وقعدتْ في حجري كما كانت تصنع في الحياة، وضربت بيدها إلى لحيتي وقالت: يا أبت... {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16] .
فبكيت وقلت: يا بنية، أخبريني عن هذا التنين الذي أراد هلاكي. قالت: ذاك عملك السوء الخبيث، أنت قوَّيته حتى بلغ هذا الهول الهائل، والأعمال ترجع أجسامًا كما رأيت. قلت: فذاكالشيخ الضعيف الذي استجرت به ولم يجرني؟ قالت: يا أبت، ذاك عملك الصالح، أنت أضعفته فضعُف حتى لم يكن له طاقة أن يغيثك من عملك السيئ؛ ولو لم أكن لك هنا، ولو لم تكن اتبعت قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيمن فَرّح بناته المسكينات الضعيفات؛ لما كانت لك هنا شمال تتعلق بها، ويمين تطرد عنك.
قال الشيخ: وانتبهت من نومي فزعًا ألعن ما أنا فيه، ولا أراني أستقر، كأني طريدة عملي السيئ؛ كلما هربت منه هربت به؛ وأين المهرب من الندم الذي كان نائمًا في القلب واستيقظ للقلب؟
وأمَّلت في رحمة الله أن أربح من رأس مال خاسر، وقلت في نفسي: إن يومًا باقيًا من العمر هو للمؤمن عمر ما ينبغي أن يستهان به؛ وصححت النية على التوبة, لأرجع الشباب إلى ذلك الشيخ الضعيف، وأسمّن عظامه، حتى إذا استجرت به أجارني ولم يقل:"أنا ضعيف كما ترى!".
وسألت فدُللت على أبي سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، سيد البقية من التابعين؛ وقيل لي: إنه جمع كل علم وفن إلى الزهد والورع والعبادة، وإن لسانه السحر، وإن شخصه المغناطيس، وإنه ينطق بالحكمة كأن في صدره إنجيلًا لم يُنزَّل، وإن أمه كانت مولاة لأم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- فكانت ربما غابت أمه في حاجة فيبكي،"فترضعه أم سلمة تعلله بثديها فيدر غلته، فكانت بينه وبين بركة النبوة صلة".