وضعت المسكر، وهممت به دَبَّت ابنتي إلى مجلسي؛ فأنظر إليها وتنتشر عليها نفسي من رقة ورحمة، فأرقُب ما تصنع، فتجيء فتجاذبني الكأس حتى تهرقها على ثوبي، وأراني لا أغضب، إذ كان هذا يَسُرها ويضحكها، فأسرّ لها وأضحك.
ودام هذا مني ومنها، فأصبحت في المنزلة بين المنزلتين؛ أشرب مرة وأترك مرارًا، وجعلت أستقيم على ذلك، إذ كانت النشوة بابنتي أكبر من النشوة بالزجاجة، وإذ كنت كلما رجعت إلى نفسي وتدبرت أمري، أستعيذ بالله أن تعقل ابنتي معنى الخمر يومًا, فأكون قد نَجَّستُ أيامها، ثم أتقدم إلى الله وعلي ذنوبها فوق ذنوبي، ويترحم الناس على آبائهم وتلعنني إذ لم أكن لها كالآباء، فأكون قد وُجدتُ في الدنيا مرة واحدة وهلكت مرتين.
ومضيت على ذلك وأنا أصلح بها شيئا فشيئا وكلما كبرت كبرت فضليتي، فلما تم لها سنتان، ماتت!
قال الراوي: وسكت الشيخ، فعلقتْ به الأبصار، ووقفت أنفاس الناس على شفاههم، وكأنما ماتت لحظات من الزمن لذكر موت الطفلة، وخامر المجلس مثل السكر بهذه الكأس المذهلة؛ ولكن الطفلة دبت من عالم الغيب كما كانت تصنع، وجذبت الكأس وأهرقتها، فانتبه الناس وصاحوا: ماتت فكان ماذا؟
قال الشيخ: فأكمدني الحزن عليها، ووهن جأشي، ولم يكن لي من قوة الروح والإيمان ما أتأسى به، فضاعف الجهل أحزاني، وجعل مصيبتي مصائب. والإيمان وحده هو أكبر علوم الحياة، يبصّرك إن عميت في الحادثة، ويهديك إن ضللت عن السكينة، ويجعلك صديق نفسك تكون وإياها على المصيبة، لا عدوها تكون المصيبة وإياها عليك، وإذا أخرجت الليالي من الأحزان والهموم عسكر ظلامها لقتال نفس أو محاصرتها، فما يدفع المال ولا ترد القوة ولا يمنع السلطان، ولا يكون شيء حينئذ أضعف من قوة القوي، ولا أضيع من حيلة المحتال، ولا أفقر من غنى الغني، ولا أجهل من علم العالم، ويبقى الجهد والحيلة والقوة والعلم والغنى والسلطان للإيمان وحده؛ فهو يكسر الحادث ويقلل من شأنه، ويؤيد النفس ويضاعف من قوتها، ويرد