فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 1123

وبتُّ ليلتي أتقلب مفكرًا في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعانيه الكثيرة، وحثه على إكرام البنات، وأن من أكرم بناته كرُم على الله، وحرصه أن ينشأن كريمات فرحات؛ وحدثني هذا الحديث ليلتي تلك إلى الصبح، وفكرت حينئذ في الزواج، وعلمت أن الناس لا يزوجونني من طيباتهم ما دمت من الخبيثين؛ فلما أصبحت غدوت إلى سوق الجواري، فاشتريت جارية نفيسة، ووقعت مني أحسن موقع، وولدت لي بنتًا فشُغفتُ بها، وظهرتْ لي فيها الإنسانية الكبيرة التي ليست في، فرأيت بُعد ما بيني وبين صورتي الأولى، ورأيتها سماوية لا تملك شيئًا وتملك أباها وأمها، وليس لها من الدنيا إلا شِبَع بطنها وما أيسره، ثم لها بعد ذلك سرور نفسها كاملًا تشُب عليه أكثر مما تشب على الرضاع؛ فعلمت من ذلك أن الذي تكتنفه رحمة الله يملك بها دنيا نفسه، فما عليه بعد ذلك أن تفوته دنيا غيره؛ وأن الذي يجد طهارة قلبه يجد سرور قلبه وتكون نفسه دائمًا جديدة على الدنيا؛ وأن الذي يحيا بالثقة تحييه الثقة؛ والذي لا يبالي الهم لا يبالي الهم به؛ وأن زينة الدنيا ومتاعها وغرورها وما تجلب من الهم, كل ذلك من صغر العقل في الإيمان حين يكبر العقل في العلم!

كانت البنية بدء حياة في بيتي وبدء حياة في نفسي، فلما دبت على الأرض ازددت لها حبًّا، وألفتني وألفتها، فرُزقت روحي منها أطهر صداقة في صديق، تتجدد للقلب كل يوم، بل كل ساعة، ولا تكون إلا لمحض سرور القلب دون مطامعه، فتمده بالحياة نفسها لا بأشياء الحياة، فلا تزيد الأشياء في المحبة ولا تنقص منها، على خلاف ما يكون في الأصدقاء بعضهم من بعض واختلافهم على المضرة والمنفعة.

قال الشيخ: وجهدتُ أن أترك الخمر فلم يأت لي ولم أستطعه؛ إذ كنت منهمكًا على شربها، ولكن حب ابنتي وضع في الخمر إثمها الذي وضعته فيها الشريعة، فكرهتها كرهًا شديدًا، وأصبحت كالمكره عليها، ولم تعد فيها نشوتها ولا رِيّها، وكانت الصغيرة في تمزيق أخيلتها أبرع من الشيطان في هذه الأخيلة، وكأنما جرتني يدها جرًّا حتى أبعدتني عن المنزلة الخمرية التي كان الشيطان وضعني فيها، فانتقلت من الاستهتار والمكابرة وعدم المبالاة إلى الندم والتحوب والتأثم، وكنت من بعدها كلما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت