فهرس الكتاب

الصفحة 222 من 1123

تلك هي الذكرى، وأما الرؤيا فقد طالعتني نفسي من وجه هذا الفتى، فأبصرتُني حين كنت مثله يافعًا مترعرعًا داخلًا في عصر شبابي، فكأنما انتبهت عيني من هذه النفس على فاتك خبيث كان في جناياته في أغلاله في سجنه، ومات طويلًا ثم بُعث!

إني مخبركم عني بما لم تحيطوا به، فأرعوه أسماعكم، وأحضروه أفهامكم واستجمعوا له، فإنه كان غَيْب شيخكم، وأنا محدثكم به كيلا ييأس ضعيف، ولا يقنَط يائس، فإن رحمة الله قريب من المحسنين.

لقد كنت في صدر أيامي شرطيًّا، وكنت في آنفة الحداثة من قبلها أتفتّى وأتشطّر، وكنت قويًّا معصوبًا في مثل جِبْلة الجبل من غلظ وشدة، وكنت قاسيًا كأن في أضلاعي جَندلة لا قلبًا، فلا أتذمم ولا أتأثم؛ وكنت مدمنًا على الخمر؛ لأنها روحانية من عَجَز أن تكون فيه روحانية، وكأنها إلهية يزوّرها الشيطان -لعنه الله- فيخلق بها للنفس ما تحب مما تكره، ويثيبها ثواب ساعة ليست في الزمن بل في خيال شاربها. وكأن جهل العقل نفسه في بعض ساعات الحياة، هو -في علم الشيطان وتعليمه- معرفة العقل نفسه في الحياة!

فبينا أنا ذات يوم أجول في السوق، والناس يفورون في بيعهم وشرائهم، وأنا أرقب السارق، وأعد للجاني، وأتهيأ للنزاع, إذ رأيت اثنين يتلاحيان، وقد لَبَّب أحدهما الآخر، فأخذت إليهما، فسمعت المظلوم يقول للظالم: لقد سلبتني فرح بُنَيَّاتي، فسيدعون الله عليك فلا تصيب من بعدها خيرًا، فإني ما خرجت إلا اتباعًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"خرج إلى سوق من أسواق المسلمين، فاشترى شيئًا، فحمله إلى بيته، فخص به الإناث دون الذكور؛ نظر الله إليه".

قال الشيخ: وكنت عزبًا لا زوجة لي، ولكن الآدمية انتبهت في، وطمعت في دعوة صالحة من البُنَيَّات المسكينات، إذا أنا فرحتهن؛ ودخلتني لهن رقة شديدة, فأخذتُ للرجل من غريمه حتى رضي، وأضعفت له من ذات يدي لأزيد في فرح بناته, وقلت له وهو ينصرف: عهدٌ يحاسبك الله عليه، ويستوفيه لي منك، أن تجعل بناتك يدعون لي إذا رأيت فرحهن بما تحمل إليهن، وقل لهن: مالك بن دينار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت