وثوبه إلا يوم يخالط في عقله فيتنزه أن يمسح أحذية الناس، ويرى أن عظيمًا مثله لا يمسح إلا أحذية الملائكة.
أنت يا هذا مهندس، ولك بعض الشأن وبعض المنزلة، فهبك ارتأيت أنه لا يحسن بك أو لا يحسن لك إلا أن تتزوج بنت ملك من الملوك، فهذه وحدها هي عندك"النمرة الرابحة"، وسائر النساء فقر وخيبة، ما دام الأمر أمر رأيك وهواك؛ غير أنك إذا عرضت لتلك"النمرة الرابحة"لم تعرفك هي إلا صعلوكًا في الصعاليك، وأحمق بين الحمقى.
إن تلك الأوراق تصنع صنعتها على أن تكون جملتها خاسرة إلا عددًا قليلًا منها؛ فإذا تعاطيت شراءها فأنت على هذا الأصل تأخذها، وبهذا الشرط تبذل فيها؛ وما تمتري أنت ولا غيرك أن القاعدة ههنا هي الخيبة، وشذوذها هو الربح؛ وليس في الاحتمال غير ذلك؛ ومن ثم فقد برئ إليك الحظ إن لم يصبك شيء منه؛ وأين هذا وأين النساء، وما منهن واحدة إلا وفيها منفعة تكثر أو تقل، بل الرجال للنساء هم أوراق السحب في اعتبارات كثيرة، ما دامت طبيعة اتصالهما تجعل المرأة هي في قوانين الرجل أكثر مما تجعل الرجل في قوانينها، وهل ضاعت امرأة إلا من غفلة رجل أو قسوته أو فُسُولته أو فجوره؟
قال المهندس: فإني أعلم الآن -وكنت أعلم- أن لا صلاح لي إلا بالزواج، وأن طريقي إلى الزوجة هو كذلك طريقي إلى فضيلتي وإلى عقلي. وتالله ما شيء أسوأ عند العزب ولا أكره إليه من بقائه عزبًا؛ غير أنه يكابر في المماراة كلما تحاقرت إليه نفسه، وكلما رأى أن له حالًا ينفرد بها في سخط الله وسخط الإنسانية. ولا مَكْذِبة، فقد والله أنفقتُ في رذائلي ما يجتمع منه مهر زوجة سرية تشتط في المهر وتغلو في الطلب، ولكن كيف بي الآن وما جبرني من قبل إصلاح، ولا أعانني اقتصاد، ومن لي بفتاة من طبقتي بمهر لا أتحمل منه رَهَقًا، ولا تتقاصر معه أموري، ولا تختل معيشتي؟