فهرس الكتاب

الصفحة 209 من 1123

فيها شيئًا إلا أخلاقًا طيبة وهممًا وعزائم يرثونها من دمه فتجيء معهم إلى الدنيا متى جاءوا.

إنما العزب أحد رجلين: رجل قد خرج على وطنه وقومه وفضائل الإنسانية، قاعدته: جُرَّ الحبل ما انجرَّ لك. وهذا داعر فاسق، مبذر مِتْلاف إن كان من المياسير، أو مريب دنيء حقير النفس إن كان من غيرهم... ورجل غير ذلك، فهو في وثاق الضرورة إلى أن تطلقه الأسباب، ومن ثم فهو يعمل أبدًا للأسباب التي تطلقه, ويعرف أنه وإن لم يكن آهلًا فلا تزال ذمته في حق زوجة سيعولها، وفي حقوق أطفال يأبوهم، وواجبات ووطن يخدمه بإنشاء هذه الناحية الصغيرة من وجوده، والقيام على سياستها، والنهوض بأعبائها, فانظر ويحك أي الرجلين أنت؟

قال: فتريدني أن أقامر بتعب سنة وأنا بعد ذلك ما يُقدر لي، قد أشتري بتعب سنة من العمر تعب العمر كله؟

قلت: فهذه هي خسة الفردية، ودناءتها الوحشية في جنايتها على أهلها، وسوء أثرها في طباعهم وعزائمهم؛ فهي فردية تضرب فيهم العاطفة الاجتماعية ضرب التلف1، وتبتليهم بالخوف من التبعات حتى ليتوهم أحدهم أنه إن تزوج لم يدخل على امرأة، ولكن على معركة. وهي تصيبهم بالقسوة والغلظة؛ فما دام الواحد منهم واحدًا لنفسه، فهو في تصريف حكم الأَثَرة، وفي قانون الفتنة بأهواء النفس ومنافعها؛ كأنما يعامله الناس رجلًا كله مَعِدَة، أو هو فيهم قوة هضم ليس غير.

قال: ولكن الزواج عندنا حظ مخبوء"لوتريَّة"والنساء كأوراق السحب، منهن ورقة هي التوفيق والغنى بين آلاف هن الفقر والخيبة المحققة.

قلت: هل اعتدت أن تتكلم وأنت نائم؟ فلعلك الآن في نومة عقل، أو لا فأنت الآن في غفلة عقل.

إن هذا المسكين الذي يمسح الأحذية ويشتري من تلك الأوراق لا يخلو منها؛ يعلم علمًا أكثر من اليقين أن عيشه هو من مسح الأحذية لا من الأخيلة التي في هذه الأوراق؛ فهو لا يعتد بها في كبير أمر ولا صغيره، وما يُنزلها في حساب رغيفه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت