قال: ليس شيء من هذا.
قلت: فإن المسألة هي كيف ترى الفكرة، لا الفكرة نفسها، فما حملك على العزوبة وأنت موظف وظيفتك كذا وكذا دينارًا، وأنت مهندس يصدق عليك ما قالوه في الرجل المجدود: لو عمد إلى حجر لانفلق له عن رزق؟!
قال: أليس مستحيلًا ثم مستحيلًا أن يجمع مثلي يده على مائة جنيه يدفعها مهرًا؛ وإن طرقتُ -علم الله- بابًا إلا استقبلوني بما معناه: هل أنت معجزة مالية؟ هل أنت مائة جنيه؟
قلت: فإن عملك في الحكومة يُغِلّ عليك في السنة مائة وثمانين دينارًا, فلِمَ لا تعيش سنة واحدة بثمانين فتقع المعجزة؟
قال:"بكل أسف"لا يستطيع الرجل العزب أن يدخر أبدًا؛ فهو في كل شيء مبدد ضائع متفرق.
قلت: فهذه شهادتك على نفسك بالسَّفَه والخُرْق والتبذير؛ تنفق ما يكفي عددًا وتضيق بواحدة، وماذا يرتئي مثلك في الحياة؟ أعند نفسه وفي يقينه أن يتأبد فيبقى عزبًا فهو ينفق ما جمع في شهوات حياته، ويتوسع فيها ضروبًا وألوانًا ليكون وهو فرد كأنه وهو في إنفاقه جماعة، كل منهم في موضع رذيلة أو مكان لهو؛ وكأن منه رجالًا هو كاسبهم وعائلهم، ينفق على هذا في القهوة، وعلى هذا في الحانة، وعلى ذلك في الملاهي، وعلى الرابع في المواخير، وعلى الخامس في المستشفى؟ إن كان هذا هو أصل الرأي عند العزب، فالعزب سفيه مجرم، وهو إنسان خَرِب من كل جهة إنسانية، وهو في الحقيقة ليس المتسع لنفقات خمسة، بل كأنه قاتل من أبناء وطنه؛ إذ كان بهذا مطيقًا أن يكون أبا ينفق على أبنائه، لا سفيهًا ينفق على شياطينه.
فإن كان قد بني رأيه على أن يتعزب مدة ثم يتأهل، فهذا أحرى أن يعينه على حسن التدبير، وهو مَضْراة له على شهوة الجمع والادخار؛ إذ يكون عند نفسه كأنما يكدح لعياله وهو في سعة منهم بعد، وهم لا يزالون في صلبه على الحال التي لا يسألونه