فقلت لها: فإذا كان قاسم لا يرضيكِ، وكان الرجل مصلحًا دخلتْهُ روح القاضي، فخلط رأيًا صالحًا وآخر سيئًا، فلعل"مصطفى كمال"همكِ من رجل في تحرير المرأة تحريرًا مزق الحجاب والـ...؟
قالت: إن مصطفى كمال هذا رجل ثائر، يسوق بين يديه الخطأ والصواب بعصًا واحدة، ولا يمكن في طبيعة الثورة إلا هذا، ولا يبرح ثائرًا حتى يتم انسلاخ أمته. وله عقل عسكري كان يمكر به مكر الألمان، حين أكرههم الحلفاء على تحويل مصانع"كروب"، فحولوها تحويلًا يردها بأيسر التغيير إلى صنع المدافع والمهلكات. وليس الرجل مصلحًا البتة، بل هو قائد زهاه النصر الذي اتفق له، فخرج من تلك الحرب الصغيرة وعلى شفتيه كلمة:"أريد"وجعل بعد ذلك إذا غلِط غلطة أرادها منتصرة، فيفرضها قانونًا على المساكين الذين يستطيع أن يفرض عليهم، فيقهرهم عليها ولا يناظرهم فيها، ويأخذهم كيف شاء، ويدعهم كيف أحب؛ وبكلمة واحدة: هو مؤلف الرواية، والقانون نفسه أحد الممثلين.
وحقده على الدين وأهل الدين هو الدليل على أنه ثائر لا مصلح, فإن أخص أخلاق الثورة حقد الثائرين، وهذا الحقد في قوة حرب وحدها، فلا يكون إلا مادة للأفعال الكثيرة المذمومة. والرجل يحتذي أوروبا ويعمل على أعمال الأوروبيين في خيرها وشرها، ويجعل رذائلهم من فضائلهم على رغم أنفهم، يتبرءون منها ويُلحقها هو بقومه، فكأنه يعتنف الآراء ويأخذها أخذًا عسكريًّا، ليس في الأمر إلا قوله"أريد"فيكون ما يريد. هو لم يحكم على شبر من أوروبا يجعله تركيًّا، ولكنه جعل رذائل أوروبا تتجنس بالجنسية التركية.
وتالله, إنه لأيسر عليه أن يجيء بملائكة أو شياطين من المَرَدَة، ينفخون أرض تركيا فيَمُطونها مطًّا فيجعلونها قارة، من أن يكره أوروبا على اعتبار قومه أوروبيين بلبس قبعة وهدم مسجد. إنه لا يزال في أول التاريخ, وهذا الشعب الذي انتصر به لم تلده مبادئه، ولا أنشأه هدم العلماء؛ بل هو الذي ولدته تلك الأمهات، وأخرجه أولئك الآباء،