وما كان يعوزه إلا القائد الحازم المصمم، فلما ظفر بقائده جاء بالمعجزة؛ فإذا فُتن القائد بنفسه وأبى إلا أن يتحول نبيًّا، فهذا شيء آخر له اسم آخر.
ولنفرض"الأثير"كما يقول العلماء؛ لنستطيع أن نجعل مسألتنا هذه علمية، وأن نبحثها بحثًا علميًّا، فليكن مصطفى كمال هو اللورد كتشنر في إنجلترا؛ فيكسب اللورد كتشنر تلك الحرب العظمى لا حرب الدويلة الصغيرة، وينتصر على البراكين من الجيوش لا على مثل براميل النبيذ. ثم يستعز الرجل بدالَّته على قومه، ويدخله الغرور، فيتصنع لهم مرة، ويتزين لهم مرة، ثم يأتيهم بالآبدة فيسفه دينهم، ويريدهم على تعطيل شعائرهم وهدم كنائسهم؛ لأن هذا هو الإصلاح في رأيه. أفترى الإنجليز حينئذ يضوون إليه ويلتفون حوله ويقولون: قائدنا في الحرب، ومصلحنا في السلم, وقد انتصرنا به على الناس فسننتصر به على الله، وظفرنا معه بيوم من التاريخ فسنظفر معه بالتاريخ كله؟ أم تحسب كتشنر كان يجسر على هذا وهو كتشنر لم يتغير عقله؟
إنه -والله- ما يتدافع اثنان أن هدم كنيسة واحدة يومئذ لا يكون إلا هدم كتشنر وتاريخ كتشنر، ولكن العجز ممهَّد من تلقاء نفسه، والأرض المنخسفة هي التي يستنقع فيها الماء، فله فيها اسم ورسم؛ أما الجبل الصخري الأشم، فإذا صب هذا الماء عليه أرسله من كل جوانبه، وأفاضه إلى أسفل!1.
قال صاحب الطائشة: فأقول لها: إذا كان هذا رأيكِ للنساء، فكيف لا ترين مثل هذا لنفسك؟
فتضعضعت لهذه الكلمة، ولَجْلَجَتْ قليلًا ثم قالت: أنت سلبتَني الرأي لنفسي، ووضعتَني في الحقيقة التي لا تتقيد بقانون الخير والشر.
قلت: فإذا كانت كل امرأة تغلَط لنفسها في الرأي، وتنصَح بالرأي الصائب غيرها، فيوشك ألا يبقى في نساء الأرض فضيلة, ولا يعود في المدرسة كلها عاقل إلا الكتاب.
فتضاحكت وقالت: لهذا يشتد ديننا الإسلامي مع المرأة، فهو يخلق طبائع المقاومة في المرأة، ويخلقها فيما حولها، حتى ليخيل إليها أن السماء عيون تراها، وأن الأرض