ثم إنها اتعدت وصاحبها ليوم، وأجافت باب دارها ولم تغلقه، وأطلقت البخور في مِجْمَر كبير أثار عاصفة من الدخان المعطر، وجعل مخدعها كمخدع عروس من ملكات التاريخ القديم؛ وبقي صاحبها تحت الضبابة يهمهم وتهمهم. ثم خرج في أغباش السَّحَر.
هكذا قالت؛ وما أدري أهو خبر عن تلك الصديقة وفلانها، أم هو اقتراح علي أنا من"فلانتي"لأكون لها عفريت الضبابة؟
لم يخفَ عليها أن لَذْعة حبها وقعت في قلبي، وأن صبرها قد غلب كبريائي، وأن كثرة التلاقي بين رجل وامرأة يطمع أحدهما في الآخر. لا بد أن ينقل روايتهما إلى فصلها الثاني، ويجعل في التأليف شيئًا منتظرًا بطبيعة السياق. وإلحاح امرأة على رجل قد خلبها وجفا عن صلتها، إنما هو تعرضها للتعقيد الذي في طبيعته الإنسانية؛ فإن هي صابرته وأمعنت، فقلما يدعها هذا التعقيد من حل لمعضلتها. وبمثل هذه العجيبة كان تعقيدًا وكان غير مفهوم ولا واضح؛ وقد ينقلب فيه أشد البغض إلى أشد الحب، وقد تعمل فيه حالة من حالات النفس ما لا يعمل السحر؛ وكذلك يقع للرجل إذا أحب المرأة فنبت عن مودته فعرض للتعقيد الذي في طبيعتها, وأمعن وثبت وصابر.
رأت الجمرة الأولى في قلبي فأضرمت فيه الثانية، حين جاءتني اليوم بكتاب زعمت أن فلانًا أرسله إليها يطارحها الهوى ويبثها وَلَه الحنين والتياع الحب.
ويقول لها في هذا الكتاب:"أنا لم أشرب خمرًا قط، ولكني لا أراني أنظر إلى مفاتنك ومحاسنك إلا وفي عيني الخمر، وفي عقلي السكر، وفي قلبي العربدة. جعلتِ لي -ويحك- نظرة سكير فيها نسيان الدنيا وما في الدنيا ما عدا الزجاجة".
ويختمه بهذه العبارة:
"آه, لو استطعت أن أجعل كلامي في نفسك ناعمًا، ساحرًا، مسكرًا، مثل كلام الشفة للشفة حين تقبلها!".
عند هذا وقع الشيء المنتظر في الفصل الثاني من الرواية، وخُتم هذا الفصل بأول قبلة على شفتي"الممثلة".