فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 1123

قالت: هذه القبلة كانت"غلطة مطبعية"، ومضت تسميها كذلك، واستمرت المطبعة تغلط. وما علمت إلا من بعد أن ذلك الكتاب الذي استوقدت به غيرتي إنما كان من عملها ومكرها.

وجاءتني اليوم بآبدة من أوابدها، قالت:

أنت رجعي محافظ على التقاليد. قلت: لأني أرى هذه التقاليد كالصباح الذي يتكرر في كل يوم, وهو في كل يوم ضياء ونور.

قالت: أو كالمساء الذي يتكرر, وهو في كل يوم ظلام وسَوَاد!

قلت: ليس هذا إلي ولا إليك، بل الحكم فيه للنفع أو الضرر.

قالت: بل هو إلى الحياة، والحياة اليوم عِلْمية أوروبية، والزمن حَثِيث في تقدمه، وأصحاب"التقاليد"جامدون في موضعهم قد فاتهم الزمن؛ ولذلك يسمونهم"متأخرين". أما علمت أن الفضيلة قد أصبحت في أوروبا زيًّا قديمًا، فأخذ المقص يعمل في تهذيبها، يقطع من هنا ويشق من هنا؟!

اسمع أيها"المتأخر"، وتأمل هذا البرهان الأوروبي العصري:

أخبرتني صديقتي فلانة حاملة شهادة, أنها كانت في القطار بين الإسكندرية والقاهرة، وكانت معها فتاة من جيرتها تحمل الشهادة الابتدائية؛ فجمعهما السفر بشاب وسيم ظريف يشارك في الأدب، غير أنه رجعي"متأخر"، وصديقتي تعرف من كل شيء شيئًا، وتأخذ من كل فن بطرف؛ فجرى الحديث بينهما مجراه، وتركت الصديقة نفسها لدواعيها، وانطلقت على سَجِيَّتها الظريفة، ووضعت فن لسانها في الكلام فجعلت فيه روح التقبيل!

ولم تبلغ إلى القاهرة حتى كانت قد سحرت ذلك"المتأخر"ووقعت من نفسه، ودفعته إلى الزمن الذي هو فيه, فلما همت بوداعه سألهما: أين تذهبان؟

فأغضَتْ صاحبة الشهادة الابتدائية، وأطرقت حياءً، ورأت في السؤال تهمة وريبة، فأنبتها الصديقة وأيقظتها من حيائها، وقالت لها: ألا تزالين شرقية متأخرة؟ إن لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت