فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 1123

ولما نظرتها لم أر إلا ما كنت حفظته عن أبي عبد الله البلخي، وقلت: هي نفسي جاءت بي إليها، وكأن كلام الشيخ إنما كان عملًا يعمل في ويديرني ويصرفني؛ وما أسرع ما قامت المسكينة فأكبت على يدي وقالت:

"يا سيدي، إني سر من أسرار والدي، كتمه عن الناس وأفضى به إليك، إذ رآك أهلًا لستره عليه، فلا تَخْفِر ظنه فيك، ولو كان الذي يطلب من الزوجة حسن صورتها دون حسن تدبيرها وعفافها لعظمت محنتي، وأرجو أن يكون معي منهما أكثر مما قصَّر بي في حسن الصورة؛ وسأبلغ محبتك في كل ما تأمرني؛ ولو أنك آذيتَني لعددت الأذى منك نعمة، فكيف إن وسعني كرمك وسترك؟ إنك لا تعامل الله بأفضل من أن تكون سببًا في سعادة بائسة مثلي, أفلا تحرص يا سيدي، على أن تكون هذا السبب الشريف".

ثم إنها وثبت فجاءت بمال في كيس، وقالت: يا سيدي، قد أحل الله لك معي ثلاث حرائر، وما آثرته من الإماء؛ وقد سوغتك تزويج الثلاث وابتياع الجواري من مال هذا الكيس، فقد وقفته على شهواتك، ولست أطلب منك إلا ستري فقط!

قال أحمد بن أيمن: فحلف لي التاجر أنها ملكت قلبي ملكًا لا تصل إليه حسناء بحسنها؛ فقلت لها: إن جزاء ما قدمت ما تسمعينه مني:"والله, لأجعلنك حظي من دنياي فيما يُؤثِره الرجل من المرأة، ولأضربن على نفسي الحجاب، ما تنظر نفسي إلى أنثى غيرك أبدًا". ثم أتممت سرورها، فحدثتُها بما حفظتُه عن أبي عبد الله البلخي. فأيقنت -والله يا أحمد- أنها نزلت مني في أرفع منازلها وجعلت تحسُن وتحسُن، كالغصن الذي كان مجرودًا، ثم وخزتْه الخضرة من هنا ومن هنا.

وعاشرتها، فإذا هي أضبط النساء، وأحسنهن تدبيرًا، وأشفقهن علي، وأحبهن لي؛ وإذا راحتي وطاعتي أول أمرها وآخره؛ وإذا عقلها وذكاؤها يظهران لي من جمال معانيها ما لا يزال يكثر ويكثر، فجعل القبح يقل ويقل، وزال القبح باعتيادي رؤيته، وبقيت المعاني على جمالها؛ وصارت لي هذه الزوجة هي المرأة وفوق المرأة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت