ببره مائة أو مائتين أو أكثر من إخوانه وذوي حاجته، فعاد هذا الغني يتسع لنفسه ثم يتسع، حتى لا يكفيه أن يأكل رزقه مائة أو مائتين أو أكثر!
إن هذا الإسلام يجعل أحسن المسرات أحسنها في بذلها للمحتاجين، لا في أخذها والاستئثار بها، فهي لا تضيع على صاحبها إلا لتكون له عند الله، وكأن الفقر والحاجة والمسكنة والإنفاق في سبيل الله, كأن هذه أرضون يغرس فيها الذهب والفضة غرسًا لا يؤتي ثمره إلا في اليوم الذي ينقلب فيه أغنى الأغنياء على الأرض، وإنه لأفقر الناس إلى درهم من رحمة الله وإلى ما دون الدرهم؛ فيقال له حينئذ: خذ من ثمار عملك، وخذ ملء يديك!
والسلطان في الإسلام هو الشرع مرئيًّا يتابعه، متكلمًا يفهمه الناس، آمرًا ناهيًا يطيعه الناس. ولقد رأى المسلمون هذا الأحول، وتابعوه وسمعوا له وأطاعوا؛ فمنعوا ما في أيديهم، فانقطع الرّفْد، وقل الخير، وشحت الأنفس، وأصبح خيرهم لبطنه وشهواته، وصار الزمان أشبه بناسه، والناس أشبه بمَلِكهم, وملكهم في شهواته"فقير المؤمنين"لا أمير المؤمنين!
إن هذه الإمارة يا أبا معاوية، إنما تكون في قرب الشبه بين النبي ومن يختاره المؤمنون للبيعة. وللنبي جهتان: إحداهما إلى ربه، وهذه لا يطمع أحد أن يبلغ مبلغه؛ والأخرى إلى الناس، وهذه هي التي يقاس عليها"وهي كلها رفق ورحمة وعمل، وتدبير وحياطة وقوة، إلى غيرها مما يقوم به أمر الناس؛ وهي حقوق وتَبِعات ثقيلة تنصرف بصاحبها عن حظ نفسه، وبهذا الانصراف تجذب الناس إلى صاحبها. فإمارة المؤمنين هي بقاء مادة النور النبوي في المصباح الذي يضئ للإسلام، بإمداده بالقدر بعد القدر من هذه النفوس المضيئة. فإن صَلُح التراب أو الماء مكان الزيت في الاستضاءة، صلح هشام وأمثاله لإمارة المؤمنين!"
ويل للمسلمين حين ينظرون فيجدون السلطان عليهم بينه وبين النبي مثل ما بين دينين مختلفين. ويل يومئذ للمسلمين! ويل يومئذ للمسلمين!