فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 1123

فلما فصل الرسول قال لي الشيح: إنه كان في خراسان محدث اسمه"الضحاك بن مزاحم الهلالي"وكان فقيه مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي يتعلمون؛ فكان هذا الرجل إذا تعب ركب حمارًا ودار به في المكتب عليهم، فيكون إقبال الحمار على الصبي همًّا وإدباره عنه سرورًا. وما أرى الشيطان إلا قد تعب في مكتبه وأعيا، فركب أمير المؤمنين ليدور علينا نحن يسألنا: ماذا حفظنا من مساوئ علي؟

قلت: فلماذا ألقمتَ كتابه الشاة, ولو غسلتَه أو أحرقتَه كان أفهم له وكان هذا أشبه بك؟ فقال: ويحك يا أبله! لقد شابت البلاهة في عارضيك؛ إن هشامًا سيتقطع منها غيظًا، فما يخفي عنه رسوله أني أطعمت كتابه الشاة، وما يخفي عنه دهاؤه أن الشاة ستبعره من بعد!

قلت: أفلا تخشى أمير المؤمنين؟

قال: ويحك! هذا الأحول عندك أمير المؤمنين؟ أبما ولدته أمه من عبد الملك؟ فهبها ولدته من حائك أو حجام! إن إمارة المؤمنين يا أبا معاوية، هي ارتفاع نفس من النفوس العظيمة إلى أثر النبوة؛ كأن القرآن عرض المؤمنين جميعًا ثم رضي منهم رجلًا للزمن الذي هو فيه، ومتى أصيب هذا الرجل القرآني، فذاك وارث النبي في أمته وخليفته عليها، وهو يومئذ أمير المؤمنين، لا من إمارة الملك والترف، بل من إمارة الشرع والتدبير والعمل والسياسة.

هذا الأحول الذي التف كدودة الحرير في الحرير، وأقبل على الخيل لا للجهاد والحرب، ولكن للهو والحَلْبَة، حتى اجتمع له من جياد الخيل أربعة آلاف فرس لم يجتمع مثلها لأحد في جاهلية ولا إسلام، وعمل الخز وقُطُف الخز، واستجاد الفرش والكسوة، وبالغ في ذلك وأنفق فيه النفقات الواسعة، وأفسد الرجولة بالنعيم والترف، حتى سلك الناس في ذلك سنته، فأقبلوا بأنفسهم على لهو أنفسهم, وصنعوا الخير صنعة جديدة بصرفه إلى حظوظهم، وتركوا الشر على ما هو في الناس، فزادوا الشر وأفسدوا الخير، ولم يعد الفقراء والمساكين عندهم هم والفقراء والمساكين من الناس، بل بطونهم وشهواتهم! ولقد كان الرجل من أغنياء المسلمين يقتصد في حظ نفسه ليسع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت