فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 1123

فلما أتم الضرير حديثه قال ابن جُحادة: إن شيخنا على هذا الجد ليمزح، وسأحدثكم غير حديث أبي معاوية، فقد رأيت الدنيا كأنما عرفت الشيخ ووقفت على حقيقته السماوية فقالت له: اضحك مني ومن أهلي. ولكن وقاره ودينه ارتفعا به أن يضحك بفمه ضحك الجهلاء والفارغين, فضحك بالكلمة بعد الكلمة من نوادره.

لقد كنتُ عنده في مَرْضَته، فعاده"أبو حنيفة"صاحب الرأي، وهو جبل علم شامخ، فطوّل القعود مما يحبه ويأنس به، إذ كانت الأرواح لا تعرف مع أحبابها زمنًا يطول أو يقصر. فلما أراد القيام قال له: ما كأني إلا ثقلتُ عليك. فقال الشيخ: إنك لثقيل علي وأنت في بيتك! وضحك أبو حنيفة كأنه طفل يناغيه أبوه بكلمة ليس فيها معناها، أو أب داعبه طفله بكلمة فيها غير معناها.

وجاءه في الغداة قوم يعودونه، فلما أطالوا الجلوس عنده أخذ الشيخ وسادته وقام منصرفًا، وقال لهم: قد شفى الله مريضكم!

فقال الضرير: تلك رَوْحَة من هواء دُنباوَند [1] ، فإن أبا الشيخ كان من تلك الجبال، وقدم إلى الكوفة وأمه حامل؛ فوُلد هنا؛ فكأن في دمه ذلك النسيم تهب منه النفحة بعد النفحة في مثله هذه الكلمات المتنسمة؛ ثم هي روحه الظريفة الطيبة تلمس بعض كلامه أحيانًا، كما تلمس روح الشاعر بعض كلام الشاعر؛ وما رأيت أدق النوادر الساخرة وأبلغها وأعجبها يجيء إلا من ذوي الأرواح الشاعرة الكبيرة البعيدة الغور، كأنما النادرة من رؤية النفس حقيقتان في الشيء الواحد. والإمام في ذلك لا يسخر من أحد، إلا إذا كانت الأرض حين تخرج الثمرة الحلوة تسخر بها من الثمرة المرة.

والعجيب أن النادرة البارعة التي لا تتفق إلا لأقوى الأرواح، يتفق مثلها لأضعف الأرواح؛ كأنها تسخر من الناس كما يسخرون بها فهذا"أبو حسن"معلم الكتاب، جاءه غلامان من صِبيته قد تعلق أحدهما بالآخر؛ فقال: يا معلم، هذا عص أذني. فقال الآخر: ما عضضتها، وإنما عض أذن نفسه. فقال المعلم: وتمكر بي يابن الخبيثة؟ أهو جَمَل طويل العنق حتى ينال أذن نفسه فيعضها!

(1) - ناحية من رستاق الري في الجبال الثلجية, وهي بلاد العجم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت