تقوم نظرية الاعتبار على أصل منطقي في منهج المعرفة، و هو أن البحث في مسألة من المسائل العلمية لا يكفي فيه الاقتصار على النظر في المسألة بذاتها و التأمل فيها و في جزئياتها المتصلة بها، وإنما يجب أن تستحضر معها أمور أخرى كثيرة، قد تكون بعيدة عنها، غير أنها- بالبحث و التأمل- يظهر أن لها صلة بها، و تتوقف عليها سلامة النتائج المستخرجة. فالنظر الأول ينطلق من المسألة محل البحث، ثم يأتي النظر الثاني فيتجاوز المسألة ويعبر إلى خارجها للبحث عن كل ما له تعلق بها، ولو كان بعيدا عنها في ظاهر الأمر.
فنظرية الاعتبار ترشد الباحث في موضوع من الموضوعات إلى ما يجب عليه أن يأخذه في الاعتبار و يستحضره في الحسبان من المسائل والأمور المنفصلة عن موضوعه، الخارجة عن مجاله، و تنبهه إلى عدم الغفلة عنها وتحذره من جهلها أو تجاهلها، أو نسيانها و عدم الالتفات إليها. فالبحث وفق نظرية الاعتبار، لا يترك شاردة ولا واردة، ولا صغيرة ولا كبيرة في مسألته وموضوعه إلا أحصاها واستحضرها. أي إن البحث العلمي في أي مسألة ما، لا يكفي فيه الحكم بما يلوح من الأدلة المباشرة والشواهد الظاهرة، وإنما يتأنى الباحث ويتقصى كل ما له صلة بالموضوع.
فهذه هي نظرية الاعتبار في أصلها الذي تقوم عليه على الإجمال والعموم. أما تفصيلاتها و تطبيقاتها المتنوعة، فهي مفرقة في العلوم المختلفة، منثورة في المصنفات في العلوم الإسلامية، وما فقه الحديث إلا مجال واحد من مجالاتها.