الصفحة 18 من 47

ومثال معرفة النسخ بآثار الصحابة والتابعين: ما جاء عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نهى عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد، وأن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مُسْتَلقٍ على ظهره" [1] . هذا الحديث لم يذكره الإمام مالك في موطئه [2] ، والذي هو أصل المسألة ، والمقصود بالنسخ في هذا المثال ؛ فمالك ذكر مباشرة الحديث الناسخ الذي يعتبره الحكم الراجح في المسألة حيث أخرج عن ابن شهاب ، عن عباد بن تميم ، عن عمته:"أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْتلقيا في المسجد ، واضعا إحدى رجليه على الأخرى" [3] . واعتمد في معرفة النّسخ على فعل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما فخرّج أثرا في الباب عن سعيد بن الميسب:"أنّ عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما كانا يفعلان ذلك" [4] ؛ فكونهما استمرا على فعل ذلك وهما الخليفتان الراشدان فيه دلالة على أن الحديث الذي ذكره مالك في موطئه هو الناسخ لحديث جابر بن عبد الله المتقدم . فانظر هنا إلى أهمية آثار الصحابة في تفسير مجملات السنة وبيانها ، وتوضيح مختلفها ، فكيف لنا أن نعلم ما عليه العمل من الأحاديث المختلفة ، وبأي الدليلين نأخذ وهما متضادان في الدلالة ، لولا أفعال وأقوال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعلق الإمام ابن عبد البر على مسلك الإمام مالك في هذا المثال بقوله:"فترى -والله أعلم- أنّ مالكا بلغه هذا الحديث [5] ،

(1) - أخرجه مسلم بهذا اللفظ في: اللباس والزينة، باب: في منع الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى ، رقم: ( 72 ) .

(2) - عادة مالك الاكتفاء بذكر الراجح والناسخ واختياره في ذلك دون ذكر المعارض .

(3) - رواه مالك في: قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة ، رقم: ( 425 ) .

(4) -رواه مالك في الموضع السابق .

(5) - وهو حديث جابر المتقدم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت