ومن السنة حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء؟ الحديث وحديث أنس بن مالك في قصة أم حرام؛ أخرجها الأئمة مالك وغيره، روى حديث أنس عن جماعة عن إسحق بن عبدالله بن أبي طلحة عن أنس، ورواه بشر بن عمر عن مالك عن إسحق عن أنس عن أم حرام جعله من مسند أم حرام لا من مسند أنس هكذا حدَّث به عن بندار محمد بن بشار؛ ففيه دليل واضح على ركوب البحر في الجهاد للرجال والنساء. وإذا أجاز ركوبه للجهاد فركوبه للحج المفترض من باب أولى وأوجب. ثم قال رحمه الله: وروي عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنهما المنع من ركوبه، والقرآن والسنة يردان هذا القول؛ ولو كان ركوبه يكره أو لا يجوز لنهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين قالوا له: إنا نركب البحر.
وهذه الآية - أي آية البقرة السابقة- وما كان مثلها نص في الغرض وإليها المفزع. وقد تؤول ما روى عن العمرين في ذلك: بأن ذلك محمول على الاحتياط وترك التغرير بالهمج في طلب الدنيا والاستكثار منها، وأما في أداء الفرائض فلا. ومما يدل على جواز ركوبه من جهة المعنى أن الله تعالى - ضرب البحر وسط الأرض وجعل الخلق في العدوتين، وقسم المنافع بين الجهتين فلا يوصل إلى جلبها إلا بشق البحر لها؛ فسهل الله سبيله بالفلك، قاله ابن العربي. قال أبو عمر: وقد كان مالك يكره للمرأة الحج في البحر وهو للجهاد ولذلك أكره، والقرآن والسنة ترد قوله إلا أن بعض أصحابنا من أهل البصرة قال إنما كره مالك ذلك لأن السفن بالحجاز صغار والنساء لا يقدرون على الاستتار عند الخلاء فيها لضيقها وتزاحم الناس فيها، وكان الطريق من المدينة إلى مكه على البر ممكنًا فلذلك كره مالك ذلك.