وقال عقبة لبعض أصحابه: قرِّبها من البحر ليكون أهلها مرابطين، فقال لهم إني أخاف أن يطرقها صاحب القسطنطينية فيهلكها، ولكن اجعلوا بينها وبين البحر ما لا يدركها معه صاحب البحر، لأن صاحب المركب لا يظهر من اللجة حتى يستره الليل، فهو يسير إلى ساحل البحر إلى نصف الليل فيخرج، فيقيم في غارته إلى نصف النهار، فلا تدركها منه غارة أبدًا، فإن كان بينها وبين البحر ما لا يجب فيه التقصير [1] ، فأهلها مرابطون، ومن كان على البحر فهم حرس لهم، وهم عسكر معقود إلى آخر الدهر، وميتهم في الجنة. فاتفق رأيهم على ذلك فقال: قربوها من السبخة فقالوا: إنا نخاف أن تهلكنا الذئاب ويهلكنا بردها في الشتاء، وحرها في الصيف، فقال لابد لي من ذلك لأن أكثر دوابكم من الإبل، وهي التي تحمل عسكرنا والبربر قد تنصروا وأجابوا النصارى إلى دينهم، ونحن إذا فرغنا من أمرها لم يكن لنا بد من المغازي والجهاد ونفتح الأول فيها فالأول، فتكون إبلنا على باب مصرنا في مرعاها آمنة من غادرة البربر والنصارى، فركب إلى موضع القيروان اليوم، وكان غيضة كثير الأشجار فآوى الوحوش والحيات [2] فأخرجها وحل بذلك المكان، وكانت من الكرامات له حيث ذكر الذهبي في السير عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: لما افتتح عقبة إفريقية، قال: يا أهل الوادي إنا جالسون إن شاء الله فاظعنوا ثلاث مرات، فما رأينا حجرًا ولا شجرًا إلا يخرج من تحته دابة حتى هبطن بطن الوادي، ثم قال للناس: انزلوا بسم الله.
(1) أي قصر الصلاة.
(2) انظر رياض النفوس 1/ 6، البيان المغرب 1/ 3.