فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله تعالى به من كرامته، فخرج سريعًا لا يقف على أحد، كما كان يصنع يريد الطواف بالبيت، معدًا لأبي جهل أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجه شجة منكرة، وقامت رجال من قريش من بني مخزوم على حمزة لينصروا أبا جهل فقالوا: ما تراك يا حمزة إلا قد صبأت، فقال حمزة: وما يمنعني وقد استبان لي منه ذلك؟ أنا أشهد أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه الذي يقول الحق، فوالله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين؟ قال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا [1] . وتم حمزة على إسلامه، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع، وأنّ حمزة سيمنعه فكفوا عن بعض ما كانوا يتناولون منه.
ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا وأبلى فيها بلاءًا عظيمًا مشهورًا، قتل شيبة بن ربيعة بن عبد شمس مبارزة وشارك في قتل عتبة بن ربيعة اشترك هو وعلي رضي الله عنهما في قتله وقتل أيضًا طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أخا مطعم بن عدي.
أول لواء عقده النبي - صلى الله عليه وسلم - لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، بعثه في سرية إلى سيف البحر من أرض جهينة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره، وكان لواء أبيض، وحامله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي حليف حمزة، وبعثه في ثلاثين رجلًا من المهاجرين خاصة، يعترض عيرًا لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة رجل. فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص والتقوا واصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجهني، وكان حليفًا للفريقين جميعًا بين هؤلاء وهؤلاء حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا [2] .
(1) انظر أسد الغابة، 2/ 46، وابن الأثير 2/ 83.
(2) انظر زاد المعاد: ج 3، ص146.