وفي هذه الأثناء كان الوليد يعد الجيوش والأساطيل الإسلامية لغزو القسطنطينية عاصمة الروم وقد توفى الوليد قبل إتمام المشروع فعمل من بعده الخليفة سليمان بن عبد الملك على إتمامه وسير الجيوش والأساطيل الإسلامية سنة 98 هـ لغزو القسطنطينية وكان على رأس هذه الحملات مسلمة بن عبد الملك، وقد وصلت الجيوش إلى أسوار القسطنطينية، وعملت على حصارها، ولقيت المشاق العظيمة في ذلك نظرًا لشدة البرد في ذلك العام ونقص التموينات نتيجة ذلك، [1] وفي أثناء الحصار توفى سليمان بن عبد الملك وتولى من بعده عمر بن عبد العزيز الذي غير من سياسة الدولة حيث أمر الجيوش حول القسطنطينية بالعودة وآثر أن يركز جهوده على نشر الإسلام في المناطق المفتوحة والخاضعة للدولة الإسلامية بدلًا من فتح أراضي جديدة [2] ، وهذا فقه رشيد من هذا الإمام العادل رحمه الله حيث أن الحفاظ على رأس المال أولى من جني الأرباح.
وكان قرار عمر بن عبد العزيز بانسحاب مسلمة حكيمًا صائبًا، لا لأن عمر غير مبالٍ إلى حروب الفتح والاستيلاء [3] ، بل لأن موقف المسلمين المحاصرين للقسطنطينية كان ميئوسًا منه، فأمر بانسحابهم حقنًا لدمائهم بعد أن بلغ بهم الجهد إذ لم يغفل عمر أبدًا عن غزو الروم دفاعًا عن حدود أرض الشام الشمالية الغربية، ولقد أحسن عمر بن عبد العزيز في قراره بانسحاب المسلمين عن القسطنطينية، لأن الموقف العسكري كان يتطلب إصدار مثل هذا القرار، ولو كانت كفة المسلمين راجحة في حينه لكان من المستحيل عليه الأمر بانسحاب المسلمين، وليس هناك مسوغ للادعاء بأن عمر بن عبد العزيز غير مبال لحروب الفتح دون تمحيص للموقف العسكري الراهن [4] .
-فتوح السند:
(1) دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين ص 261.
(2) تاريخ الطبري: (7/ 457)
(3) قادة الفتح الإسلامي في أرمينبا ص256.
(4) قادة الفتح الإسلامي في أرمينيا، ص 257 - 259.