اضطربت أحوال الدولة الأموية بعد وفاة معاوية رضي الله عنه واختلفت العلاقة مع الروم وخفت الهجمات الإسلامية عليهم بل أن يزيد بعدما تولى بعد أبيه كان من أول ما قال في خطبة له: إن معاوية كان يغزيكم في البحر وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم ولست مشتيًا أحدًا بأرض الروم، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثًا، وأنا أجمعه لكم كله، فتفرق الناس وهم لا يفضلوا عليه أحدًا [1] .
ولا شك أن الشواتي وركوب البحر كانت من المشاق ولكن المشقة وحدها قد لا تكون كافية لتعليل كلام يزيد وأين يقع كلام يزيد من حمايته للمسلمين ونشر الإسلام إزاء عدو يتربص بهم الدوائر، ولو صح أن يزيد قال ذلك يريد أن يتحبب إلى الناس فإن الأحداث اقتضت غير ذلك، ولم يتوقف غزو المسلمين على أرض الروم صيفًا وشتاءًا، وأما البحر فلعل ما أصاب القوة البحرية الإسلامية في غزو القسطنطينية اقتضى اتخاذ بعض التدابير الاحترازية.
وجاءت السنوات التي تلت عام 64 هـ وامتدت حتى عام 72 هـ مثقلة بالفتن والخلافات الداخلية وانكفأت القوة الإسلامية من أجل ذلك على نفسها في الأغلب [2] .
وعندما استقرت الأحوال في خلافة عبد الملك بن مروان سنة 73 هـ بعث الصوائف والشواتي، وأكثر من غزو الروم حتى أرهق قواهم وبعد وفاة عبد الملك بن مروان قام من بعده ابنه الوليد بن عبد الملك بمواصلة غزو أراضي الروم وتمكن المسلمون من الاستيلاء على طرسوس وهرقلة وعمورية وتمهد الطريق إلى القسطنطينية [3] .
(1) البداية والنهاية، لابن كثير، 11/ 460.
(2) اليعقوبي: ج2،ص269.
(3) الأمويون بين المشرق والمغرب لمحمد الوكيل: (1/ 420) .