فالجواب أن هذه المخالفة كانت لقصد حسن وهو الاستطلاع، وأثمرت خيرًا، فاستحق العفو عن تلك المخالفة التي كانت عن نظر، ولم تكن عن تهاون وانتهاك للحرمة.
فإن قيل: ما الذي أوقع في نفس الهدهد رغبته في طلب ما طلب؟
فالجواب: أنه يجوز أن يكون قد مر باليمن من مكان بعيد ببصره الحاد، فرغب في المعرفة، أو أن يكون قد مر باليمن من قبل، ولم يتحقق من حالها فأراد أن يتحقق.
وهذه الآية مأخذ من مآخذ الأصل القائل: إن المخالف للأمر عن غير انتهاك للحرمة لا يؤاخذ بتلك المخالفة.
ومن فروع هذا الأصل سقوط الكفارة عمن أفطر رمضان متعمِّدًا (1) متأولًا تأويلًا قريبًا.
ابتدأ الهدهد جوابه معتزًا بما أحاط به من العلم، متجملًا بما حصل منه، مظهرًا لارتفاع منزلته به، متحصنًا به من العقاب.
ولم تمنعه عظمة سليمان- عليه السلام- من إظهار علمه وإعلان اختصاصه به دون سليمان.
قد سمع سليمان هذا الهدهد وأقره عليه، فللصغير أن يقول للكبير وللحقير أن يقول للجليل: علمت ما لم تعلم، وعندي ما ليس عندك؛ إِذا كان من ذلك على يقين، وكان لقصد صحيح.
ومن أدب من قيل له ذلك ولو كان كبيرًا جليلًا أن يتقبل ذلك، ولا يبادر برده، وعليه أن ينظر فيه ليعرف مقدار صدق قائده فيقبله أو يرده بعد النظر والتأمل؛ إذ قد يكون في أصغر مخلوقات الله وأحقرها من يحيط علمًا بما لم يحط مثل سليمان- عليه السلام- في علمه وحكمته، واتساع مدركاته.
وكفى بمثل هذا زاجرًا لكل ذي علم عن الإعجاب بعلمه، والاعزاز بسعة اطلاعه، والترفع عن الاستفادة ممن دونه.
لا يعلم أحد من الأنبياء- عليهم السلام- شيئًا مما غاب عنه إلاّ بإعلام الله، فليس لهم كشف عام عن جميع ما في الكون، وإنما يعلمون منه ما أطلعهم الله عليه.
ومن مدارك ذلك هذه القصة: فإن سليمان عليه السلام، لم يكن يعلم من مملكة سبأ شيئًا حتى أطلعه الله عليه بواسطة الهدهد.
(1) تحرفت في الأصل المطبوع إلى"معتمدًا". تقديم العين على التاء. فاقتضى التصحيح.