مِنْ هُذَيْلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم فَسَأَلُوهُ أَنْ يُوَجِّهَ مَعَهُمْ نَفَرًا يُقْرِئُونَهُمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فَوَجَّهَ مَعَهُمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَمَّا قَدِمُوا بِلَادَهُمْ قَالَ لَهُمُ الْمُشْرِكُونَ: اسْتَأْسِرُوا، فَإِنَّا لَا نُرِيدُ قَتْلَكُمْ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ أَنْ نُدْخِلَكُمْ مَكَّةَ فَنُصِيبَ بِكُمْ ثَمَنًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ لَا أَقْبَلَ جِوَارَ مُشْرِكٍ أَبَدًا، وَجَعَلَ يُقَاتِلُهُمْ وَيَرْتَجِزُ وَرَمَى حَتَّى فَنِيَتْ نَبْلَهُ، ثُمَّ طَاعَنَهُمْ حَتَّى انْكَسَرَ رُمْحُهُ، وَبَقِيَ السَّيْفُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي حَمَيْتُ دِينَكَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَاحْمِ لِي لَحْمِي آخِرَهُ. وَكَانُوا يُجَرِّدُونَ كُلَّ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ فَجَرَحَ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ وَقَتَلَ وَاحِدًا وَجَعَلَ يَقُولُ:
[البحر الرجز]
أَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ وَمِثْلِي رَامَا ... وَرِثْتُ مَجْدِي مَعْشَرًا كِرَامَا
أُصِيبَ مَرْثَدٌ وَخَالِدٌ قِيَامَا
ثُمَّ شَرَعُوا فِيهِ الْأَسِنَّةَ حَتَّى قَتَلُوهُ، فَأَرَادُوا أَنْ يَحْتَزُّا رَأْسَهُ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ الدَّبْرَ فَحَمَتْهُ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي اللَّيْلِ سَيْلًا أَتِيًّا فَحَمَلَهُ فَذَهَبَ بِهِ فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، وَكَانَ عَاصِمٌ قَدْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ أَلَا يَمَسَّ مُشْرِكًا وَلَا يَمَسُّهُ، وَكَانَ قَتْلُهُ وَقَتْلُ أَصْحَابِهِ يَوْمَ الرَّجِيعِ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ.