وإن فقهاءَنا اختلفوا في صحة الصلاة خلفَ المبتدعة، فقال ابنُ القاسم:"يعيد المصلي في الوقت"، فلم ير الابتداعَ مبطلًا للصلاة. وقال كبارُ أصحاب مالك وسحنون: لا إعادةَ عليه الصلاة. وعن الإمام رحمه الله التوقفُ في الإعادة. (1) وقال ابن عبد الحكم: يعيد أبدًا. (2)
وإن ذلك كله في أهل الأهواء، أي الذين يفسرون متشابهَ القرآن على حسب هواهم. ألا ترى أن أئمة الحديث قالوا بقبول رواية المسلم العدل الذي يعتقد عقيدةً باطلة لا تنافِي الإسلامَ بشرط أن تكون بدعتُه لا تبيح له الكذب؟ وزاد مالك رحمه الله على ذلك شرطًا، وهو أن لا يكون داعية إلى عقيدته. (3) ولم يزل كثيرٌ من عظماء المعتزلة مشهودًا لهم بالتقوى والورع، منهم عمرو بن عبيد إمام المعتزلة الذي قال فيه أبو جعفر المنصور:
"كُلُّكُمْ يَمْشِي رُوَيْد ... كُلُّكُم يَطْلُبُ صَيْد"
غَيْرَ عَمْرو بنِ عُبَيْد". (4) "
= فبعد أن ذكر ما رُوي فيها عن الإمام مالك وأصحابه كسحنون وابن حبيب وأشهب قال:"فأنت ترى اضطراب قوله رحمة الله في هذه المسألة وهو إمام الفقهاء، كما اضطرب فيها رأيُ القاضي أبي بكر [الباقلاني] وهو إمام المتكلمين". شرح التلقين، ج 2، ص 685.
(1) المدونة الكبرى، ج 1، ص 140.
(2) وهو كذلك قولُ ابن حبيب. انظر القيرواني، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد: النوادر والزيادات (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1999) ، ج 1 (تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو) ، ص 289؛ ابن رشد: البيان والتحصيل،"كتاب الصلاة الثالث"، ج 1، 443 - 444.
(3) الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية، ص 108.
(4) الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد بن ثابت: سير أعلام النبلاء، تحقيق جماعة من الباحثين بإشراف شعيب الأرنؤوط (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 11، 1417/ 1996) ، ج 6، ص 105. وقد ذكر ابن عُدي هذه الأبيات (وهي من مجزوء الكامل) بنصب لفظتي"رويد"و"صيد"بإضافة ألف في آخرهما، ونسبها للمهدي، وذكر في مناسبتها أن عمرو بن عبيد قدم على المهدي مع وفد البصرة فأجازهم المهدي، فقبلوا كلُّهم غير عمرو، فأنشأ المهدي الأبيات المذكورة. ابن عُدي الجرجاني: الكامل في ضعفاء الرجال، ج 6، ص 195.