وأما الاستطرادُ فيكون بمدح أو ذم أو ثواب، وأحسنُه ما اشتدت فيه المشابهة كقول أبي حمزة الخارجي (1) في خطبة له خطبها بالمدينة:"يا أهل الحجاز، أتعيرونني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب؟ ! وهل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شبابًا؟ أما والله إني لعالم بتتابعكم فيما يضركم في معادكم، ولولا اشتغالي بغيركم عنكم ما تركتُ الأخذَ فوق أيديكم. شبابٌ والله مُكتَهِلُون في شبابهم، غَضِيضةٌ (2) عن الشر أعينُهم، ثقيلةٌ عن الباطلِ أرجلُهم، أنضاءُ عبادة، وأطلاعُ سهر، قد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنيةً أصلابُهم على أجزاء القرآن. . ."إلخ (3) .
= 1374/ 1955)، ج 1، ص 25. وقد ساق أبو هلال العسكري المثلَ والقصةَ مختصرةً، وذكر إنها مما جاء في كتاب"كليلة ودمنة"، ولم أجدها فيه. جمهرة الأمثال، ج 1، ص 61.
(1) أبو حمزة اسمه يحيى بن المختار، كان من خطباء الإباضية ونساكهم. وهذه الخطبةُ له ذكرها الجاحظ في البيان والتبيين. وقد يكون الاستطرادُ لا مناسبة فيه، كقول كعب بن زهير: شجت يدي شبم من ماء محنية، البيتين. - المصنف. البيتان من قصيدة"بانت سعاد"وتمامهما:
شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِنْ مَاءِ مَحْنِيَةٍ ... صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهُوَ مَشْمُولُ
تَجْلُو الرِّيَاحُ الْقَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ ... مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ
السكري: شرح ديوان كعب بن زهير، ص 7.
(2) في إحدى نسخ البيان"غبية"عوض"غضيضة".
(3) جزء من خطبة طويلة قالها أبو حمزة الخارجي في مكة حسب رواية الجاحظ، يستعرض فيها التطورات والتحولات التي لحقت بالخلافة ويصور فيها الحالة العقدية والفكرية التي نجمت في اتصال مع تقلبات الأوضاع السياسية. وقد أورد المصنف المقطع بتصرف وسقناه بلفظه. البيان والتبيين، ج 1/ 2، ص 79 - 82؛ البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر: كتاب جمل من أنساب الأشراف، تحقيق سهيل زكار ورياض زركلي (بيروت: دار الفكر، ط 1، 1417/ 1996) ، ج 9، ص 290 - 294. أما قائلها فهو أبو حمزة يحيى بن المختار الخارجي"أحد نساك الإباضية وخطبائهم"، كما قال أبو عثمان. خرج أبو حمزة سنة 129 هـ من قبل عبد الله بن يحيى، مظهرًا للخلاف على مروان بن محمد، ودخل مكة في موسم الحج بغير قتال، وفي عام 130 هـ دخل المدينة التي انسحب منها عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك الذي كان واليًا عليها وعلى مكة، والتقى مقاتلوه بجيوش مروان في وادي القرى حيث كانت هزيمتهم وقتلهم. انظر تفاصيل ذلك في: الطبري: تاريخ الرسل والملوك، ج 7، ص 374 - 375 و 393 - 399.