ولمّا كانت تطلق في اللّغة لفظة"الكفّار"على"الزرّاع"لأنّهم بزرعهم يدفنون الحبّ في الأرض فيسترونه، والكفر في اللّغة هو الستر، اختيرت لفظة"الكفّار"هذه بالذّات، لتدلّ على الزرّاع في مكانها التي استعملت فيه، ولتلوِّح بأنّ مقابِلَهُمْ في الممثَّل له هم الكفّار بيوم الدين.
ويزيدنا ثقّة بأنّ اختيار هذه اللّفظة هنا كان مقصودًا، لتَحْمِل هذا التلويح الذي لا يُتَنبَّه له إلاَّ بذكاء لمّاح اختيارُ كلمة"الزرّاع"في موقع آخر من القرآن، لأنّ ذلك الموقع لا حاجة فيه إلى مثل هذا التلويح، وهو ما جاء في وصف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإِنجيل، كما روت لنا سورة (الفتح/ 48 مصحف/ 111 نزول) إذ قال الله تعالى فيها:
{وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الآية 29] .
فقد استعملت هنا لفظة"الزُّرَّاع"لأنّ مقابلها في الممثّل له ليسوا بكافرين، بخلاف"أَعْجَبَ الكفَّارَ نَبَاتُهُ".
رابع عشر- تقريب الصورة الغائبة بوضعها في صورة مشهودة النّظير أو مخيّلة:
ومن عناصر الجمال الأدبي في الكلام تقريب الصورة الغائبة، وذلك بوضعها في صورة مشهودة النظير، أو في صورة متخيَّلة في أذهان المخاطبين.
فمن تقريب الغائب بوضعه في صورة مشهودة النظير ما جاء في القرآن والسنّة من تمثيلٍ أو تسميةٍ لما في الدّار الآخرة من أحوال وأحداث ومكوَّنات.
ففي الصحيح عن ابن عباس أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قال:
"لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ مِمَّا فِي الدُّنْيَا إلاَّ الأسْمَاء".
ومن تقريب الغائب بوضعه في صورة متخلية في أذهان المخاطبين، وصف طلع شجرة الزقوم بأنّه يُشْبِهُ رؤوس الشياطين، وهو ما جاء في سورة (الصافات/ 37 مصحف/ 56 نزول) بقول الله عزَّ وجلّ فيها: