المعنى الثاني البعيد الذي قَصَدُوه: هو أنّه ما زال ضالًا في إيثاره يوسف وشقيقه بنيامين على سائر بنيه، وهذا المعنى هو المعنى الذي كانوا ذكروه قبل أن يُلْقُوه يوسُفَ في غَيابة الجبّ، وقَدْ أبانه الله بقوله في أوائل السّورة.
{إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} .
والتورية في هذا المثال مجرّدة.
المثال الثاني: قول الشاعر"صلاح الصفدي":
*وصَاحِب لمَّا أَتَاهُ الْغِنَى * تَاهَ ونَفْسُ الْمَرْءِ طَمَّاحَهْ*
*وَقيلَ: هَلْ أبْصَرْتَ مِنْهُ يدًا * تَشْكُرُها قُلْتُ ولاَ رَاحَهْ*
كلمة: راحة لها معنيان: أحدهما المعنى القريب وهو راحة اليد، وهو المعنى الذي تستدعيهِ عبارة"يدًا تشكرها"والآخر المعنى المقصود وهو راحة الجسم من التعب.
والتورية هنا مرشّحة لاقترانها بما يلائم المعنى القريب.
المثال الثالث: قول الشاعر:
*أَيُّهَا الْمُعْرِضُ عَنَّا * حَسْبُكَ اللَّهُ تَعَالَ*
كلمة"تَعَالَ"لها معنيان: المعنى القريب هو الثناء على الله بالعلوّ، وهو يلائم لفظ الجلالة"الله"والمعنى الآخر وهو الدعوة إلى الحضُور، وهو يلائم عبارة:"أيُّها المعرض عنّا".
المثال الرابع: قول سراج الدين الورّاق شاعر مصري (615- 695هـ) .
*أَصُونُ أَدِيمَ وَجْهِي عَنْ أُنَاس * لِقَاءُ الْمَوْتِ عِنْدَهُمُ الأَدِيبُ*
*وَرَبُّ الشِّعْرِ عِنْدهُمُ بَغِيضٌ * وَلَوْ وَافَى بِهِ لَهُمُ حَبِيبُ*
كلمة"حبيب"لا يريد بها المعنى القريب وهو المحبوب، بل يريد بها المعنى البعيد، وهو اسم أبي تمّام الشاعر:"حَبِيبُ بن أوس".
وهذه من التورية المجرّدة.
المثال الخامس: قول الشابّ الظريف"شمس الدين بن العفيف التلمساني" (662 - 687هـ) :
*تَبَسَّمَ ثَغْرُ اللَّوْزِ عَنْ طِيب نَشْرِهِ * وأَقْبَلَ فِي حُسْنٍ يَجِلُّ عَنِ الْوَصْفِ*